قوله عَزَّ وَجَلَّ: { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ } ؛ قرأ السلمي: (ألَمْ تَرْ) ساكنةَ الراء في كلِّ القرآن كما قالَ الشاعرُ: مَن يَهْدِهِ اللهُ يَهْتَدِ لاَ مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ أضَلَّ فَمَا يَهْدِيهِ مِنْ هَادِيقال ابنُ عبَّاس: (رَكِبَ كَعْبُ بْنُ الأَشْرَفِ فِي تِسْعِيْنَ رَاكِبًا مِنَ الْيَهُودِ ؛ فِيْهِمْ حُيَيُّ بْنُ أخْطَبَ وَجَدْيُ بْنُ أخْطَبَ وَمَالِكُ بْنُ الصَّيْفِ وغَيْرُهُمْ إلَى أهْلِ مَكَّةَ لِيُحَالِفُوهُمْ عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، وَيَنْقُضُوا الْعَهْدَ الَّذِي كَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ قَبْلَ أجَلِهِ ، فَقَالَ أبُو سُفْيَانَ: يَا مَعْشَرَ أهْلِ الْكِتَاب ؛ أنْشِدُكُمْ باللهِ أيُّهُمْ أقْرَبُ لِلْهُدَى ؛ نَحْنُ أمْ مُحَمَّدٌ وَأصحَابُهُ ، فَإنَّا نُعَمِّرُ مَسْجِدَ اللهِ ، ونَسْقِي الْحَجِيْجَ ، وَنَحْجُبُ الْكَعْبَةَ ، وَنَصِلُ الرَّحِمَ ، وَمُحَمَّدٌ قَطَعَ أرْحَامَنَا وَاتَّبَعَهُ شِرَارُ الْحَجِيْجِ بَنُو غِفَارٍ ، فَنْحْنُ أهْدَى أمْ هُمْ ؟ فَقًالَتِ الْيَهُودُ: أنْتُمْ أهْدَى مِنْهُمْ. فَأَنْزَلَ هَذِهِ الآيَةَ) .
ومعناه: ألم يَنْتَهِ علمُكَ يا مُحَمَّدُ إلى { الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ } [آل عمران: 23] أي علمًا بالتَّوراةِ وما فيها من نَعْتِ مُحَمَّدٍ وصفتِه يصدِّقون بالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ. قال ابنُ عبَّاس: (الْجِبْتُ: حُيَيُّ بْنُ أخْطَبَ ، وَالطَّاغُوتُ كَعْبُ بْنُ الأَشْرَفِ) . وقيل الجِبْتُ: الكَهَنَةُ ، والطَّاغُوتُ: الشَّيَاطِيْنُ. وَقِيْلَ: الْجِبْتُ والطاغُوتُ: صَنَمَانِ كان المشركونَ يعبدونَهما من دون اللهِ. وقيل الْجِبْتُ: الصنمُ ، والطَّاغُوتُ: مترجمة الصنمِ على لسانه.
وقال أهلُ اللغة: كُلُّ مَعْبُودٍ سِوَى اللهِ تَعَالَى مِنْ حَجَرٍ أو مَدَر أو صُورَةٍ فهو جِبْتٌ وَطَاغُوتٌ ، دليلهُ قال تعالى: { أَنِ اعْبُدُواْ اللَّهَ وَاجْتَنِبُواْ الْطَّاغُوتَ } [النحل: 36] وقولهُ تعالى: { وَالَّذِينَ اجْتَنَبُواْ الطَّاغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا } [الزمر: 17] . وقال مجاهدُ: (الْجِبْتُ: السِّحْرُ ، وَالطَّاغُوتُ: الشَّيْطَانُ) . يدلُ عليه قولهُ: { وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ } [البقرة: 257] { وَالَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُواْ أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ } [النساء: 76] .
وقال بعضُ المفسِّرين: لَمَّا خَرَجَ كَعْبُ بْنُ الأَشْرَفِ هُوَ وَمنْ مَعَهُ إلَى مَكَّةَ بَعْدَ وَقْعَةِ أحُدٍ لِيُحَالِفُوا قُرَيْشًا عَلَى عَدَاوَةِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ؛ نَزَلَ كَعْبُ عَلَى أبي سُفْيَانَ فَأَحْسَنَ مَثْوَاهُ ، وَنَزَلَ الْيَهُودُ فِي دُور قُرَيْشٍ ، فَقَالَ أهْلُ مَكَّةَ: إنَّكُمْ أهْلُ كِتَابٍ وَمُحَمَّدٌ صَاحِبُ كِتَابٍ ، وَلاَ نَأْمَنُ أنْ يَكُونَ هَذا مَكْرٌ مِنْكُمْ ، فَإنْ أرَدْتَ يَا كَعْبُ أنْ نَخْرُجَ مَعَكَ فَاسْجُدْ لِهَذَيْنِ الصَّنَمَيْنِ وآمِنْ بهِمَا ؛ فَفَعَلَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: { يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ } [النساء: 51] .
قَالَ كَعْبُ لأَهْلِ مَكَّةَ: يَجِيْءُ مِنْكُمْ ثَلاَثُونَ ؛ وَمِنَّا ثَلاَثُونَ ؛ فَنَلْزِقُ أكْبَادَنَا بالْكَعْبَةِ فَنُعَاهِدُ رَبَّ الْبَيْتِ لَنُجْهِدَنَّ عَلَى قِتَالِ مُحَمَّدٍ ، فَفَعَلُواْ ذلِكَ ، ثُمَّ قَالَ أبُو سُفْيَانَ: يَا كَعْبُ ؛ إنَّكَ امْرُؤٌ تَقَرَأ الْكِتَابَ وَنَحْنُ أمِّيُّونَ لًا نَعْلَمُ ، فَمَنْ أهْدَى سَبيلًا ، وَأقْرَبُ إلَى الْحَقِّ نَحْنُ أمْ مُحَمَّدٌ ، فَقَالَ كَعْبٌ: وَاللهِ أنْتُمْ أهْدَى سَبيْلًا مِنَ الََّذِي عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ. فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الآيَةَ { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ } [آل عمران: 23] . يَعْنِي كَعْبًا وأصحابَهُ يؤمنونَ بالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ يعني الصَّنمين ، { وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ } ؛ أي لأبي سُفيانَ وأصحابَه: { هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُواْ سَبِيلًا } .