قَوْلُهُ تَعَالَى: { احْشُرُواْ الَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَاجَهُمْ } ؛ أي فيقالُ لِخَزَنَةِ جهنَّم: اجْمَعُوا الذين ظلَمُوا وقُرنَاءَهم من الشَّياطين الذين قبَضُوا لضَلالَتِهم ، ويقالُ: أرادَ بالأزواجِ نُظَراءَهُمْ وأشكالَهم من الأتباعِ ، والزَّوجُ في اللغة: النظيرُ ، ومن ذلك: زوجَانِ من الْخُفِّ. ويقالُ: أرادَ بالأزواجِ نِساءَهُم ، سواءًا أكانت امرأةُ الكافرِ كافرةً أو منافقةً ، والمعنى: اجمعوا الذين ظلَمُوا من حيث هم إلى الوقفِ للجزاء والحساب ، والمرادُ بالذين ظلَمُوا المشركينَ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَمَا كَانُواْ يَعْبُدُونَ * مِن دُونِ اللَّهِ } ؛ يعني اجْمَعُوا المشركين وأتباعَهم وأوثانَهم وطواغيتَهم وأصنامهم التي كانوا يعبدُونَها من دون اللهِ ، قال مقاتلُ: (يَعْنِي إبْلِيسَ وَجُنُودَهُ) فَهُمُ الَّذِينَ كَانُوا يَعْبُدُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: { أَن لاَّ تَعْبُدُواْ الشَّيطَانَ } [يس: 60] . قَوْلُهُ تَعَالَى: { فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ } ؛ أي سُوقُوهم واذهَبُوا بهم إلى فريقِ الجحيم.
فلما انطُلِقَ بهم إلى جهنَّم أرسلَ مَلَكٌ يقولُ لِخَزَنَةِ جهنَّم: { وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَّسْئُولُونَ } ؛ أي اسألُهم في موضعِ الحساب ، يُسأَلُوا ويعرفوا أعمالَهم ، وهذا سؤالُ توبيخٍ لا سؤالُ استفهامٍ ، قال ابنُ عبَّاس رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: (إنَّهُمْ مَسْؤُولُونَ عَنْ أعْمَالِهِمْ فِي الدُّنْيَا وَأقَاويلِهِمْ) ، وقال مقاتلُ: (تَسْأَلُهُمْ خَزَنَةُ جَهَنَّمَ: ألَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ ، ألَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ) .
ويجوزُ أن يكون هذا السؤالُ ما ذُكِرَ بعدُ ، وهو قولهُ: { مَا لَكُمْ لاَ تَنَاصَرُونَ } ؛ أي يقالُ لَهم على سبيلِ التوبيخِ: ما لكم لا ينصرُ بعضُكم بعضًا كما كنتم في الدُّنيا.
وذلك أنَّ أبا جهلٍ لَعَنَهُ اللهُ قالَ يومَ بدرٍٍ: نحنُ جميعٌ منتصر ، فقيلَ لهم ذلكَ اليومِ: ما لَكم غير متناصِرين ، وأنتم زعَمتُم في الدُّنيا أنكم تَنَاصَرون ، فاللهُ تعالى قال: { بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ } ؛ أي مُنقَادُون خاضِعون لِمَا يرادُ بهم ، والمعنى: هم اليومَ أذِلاَّءُ منقادون ، لا حيلةَ لهم ، فالعابدُ منهم والمعبودُ لا يحمِلُ عن أحدِهم أحدًا ولا يمنعُ أحدٌ عن أحدٍ.