فهرس الكتاب

الصفحة 2650 من 4495

قَوْلُهُ تَعَالَى: { فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ } ؛ أي فخَسَفْنَا بقارونَ وقَصْرِهِ الذي بَنَاهُ عقوبةً له على كُفرهِ ، وذلك أنَّهُ لَمَّا أضافَ النِّعَمَ التي أعطاهُ اللهُ إياها إلى فعلِ نفسه وعملهِ ، ولَم يَنْسِبْهَا بتَسهِيل اللهِ ذلكَ عليهِ ؛ صارَ كافرًا بنِعَمِ اللهِ.

وَقِيْلَ في سَبَب خسفهِ: أنه لَمَّا حَسَدَ موسى وهارونَ دعَا امرأةً ذاتَ جمالِ معروفةً بالفُجُور ، وجعلَ لَها ألفَ دِرهَم - وَقِيْلَ: ألْفَ مِثْقَالٍ - وقالَ لَها: إنِّي أخلِطُكِ بنسائي على أن تَقذِفِي موسَى بنفسكِ غدًا إذا حَضَرَ بنُو إسرائيلَ ، وتذْكُري أنه راوَدَكِ عن نفسكِ! فأجابَتْ قارونَ إلى ذلك ، فلمَّا كان مِن الغَدِ ، جَمَعَ قارونُ بني إسرائيلَ ، ثُم أتَى مُوسَى فقال لهُ: إنَّ بني إسرائيلَ قد اجتمَعُوا ينظرونَ خُروجَهم لتَأْمُرَهم وتَنْهَاهُمْ.

فخرجَ مُوسَى فقامَ فيهم يَعِظُهُمْ ويأمُرُهُمْ بالمعروفِ ويناهم عن الْمُنْكَرِ ، قالَ: يَا بَنِي إسْرَائِيْلَ ؛ مَنْ سَرَقَ قَطَعْنَاهُ ، وَمَنِ افْتَرَى جَلَدْنَاهُ ثَمَانِيْنَ ، وَمَنْ زَنَى وَلَيْسَتْ لَهُ امْرَأةٌ جَلَدْنَاهُ مِائَةً ، وَمَنْ زَنَى وَلَهُ امْرَأةٌ رَجَمْنَاهُ حَتَّى يَمُوتَ. قال قارونُ: وإنْ كُنْتَ أنْتَ؟! قالَ: وإنْ كُنْتُ أنَا. قال: فإنَّ بني إسرائيلَ يَزعُمُونَ أنَّكَ فَجَرْتَ بفُلانَةٍ! فقال مُوسَى: ادْعُوهَا ، فَدَعَوْهَا وقد ألْهَمَها اللهُ التوبةَ والتوفيقَ ، فقالت في نفسِها: لإنْ أُحْدِثَ الْيَوْمَ تَوْبَةً خَيْرٌ مِنْ أنْ يُؤْذى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم.

فجَاءوا بها وقد عَقَدوا مَجلِسًا استَحْضَرَ فيه قارونُ الخاصَّ والعامَّ ، فقال قارونُ للمرأةِ: ما تَقُولِيْنَ ؟ قالت: يَا وَيْلاَهُ! قَدْ عَمِلْتُ كُلَّ فَاحِشَةٍ ، وما بَقِيَ إلاَّ أنْ أفْتَرِي على نَبيِّ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، وأنَا أبْرَأُ إلى اللهِ مِن ذلكَ.

ثُم أخْرَجَتْ خَريطَتين مَملُوءَتين دَرَاهِمَ وعليهما خاتَمُ قارونَ ، فقالَتْ: يا أيُّها الْمَلأُ ؛ إنَّ قارونَ أعطانِي هَاتَين الخريطتَين على أنْ آتِي جماعتَكم فأَزْعُمَ أنَّ موسى رَاودَنِي عن نفسِي ، ومَعَاذ اللهِ أنْ افْتَرِيَ على نبيِّ الله ، وأنا أبْرَأُ إلى اللهِ مِن ذلك وهذهِ دراهِمهُ وعليها خاتَمهُ.

فعَرَفَ بنُو إسرائيلَ خاتَم قارونَ ، فَافْتُضِحَ قارونُ بين أولئِكَ القومِ ، وغَضِبَ مُوسَى عليه السلام فَخَرَّ ساجدًا يَبْكِي وهو يقولُ: اللَّهُمَّ إنْ كُنْتُ رسُولَكَ فَاغْضَبْ لِي.

فأوحَى اللهُ إليه أنِّي قد أمَرْتُ الأرضَ تُطِيعُكَ فَمُرْهَا بما شِئْتَ ، فقال مُوسَى عليه السلام: يا أرضُ خُذِيْهِ ، فأخذتْهُ إلى كَعْبهِ ، ثُم قَالَ: يا أرضُ خُذِيهِ ، فأخذتهُ إلى رُكبَتيهِ ، فَنَاشَدَهُ الرَّحِمَ ، فقالَ: يا أرضُ خُذِيهِ ، فأخذتْهُ حتى غَيَّبَتْ حِقْوَتَهُ ، فتضرَّعَ إلى مُوسَى وناشدَهُ الرَّحِمَ ، فلَمْ يسمَعْ تَضرُّعَهُ ، فقالَ: يا أرضُ خُذِيهِ ، فأخذْتْهُ حتى غَيَّبَتْهُ.

فرُوي أنهُ استغاثَ بموسَى وناشدَهُ سبعينَ مرَّة ، فلَمْ يلتفِتْ موسَى إلى ذلكَ ، فأوحَى اللهُ إلى موسى: ما أفَظَّكَ وأغلَظَ قلبَكَ! استغاثَ بكَ قارونُ سبعين مرَّةً فلم ترحَمْهُ ولَم تُغِثْهُ ، وعِزَّتِي وجَلالِي لوِ استغاثَ بي لأغثتهُ ، ولو دعانِي لوجدَنِي قريبًا مُجيبًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت