قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَلَمَّا جَآءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ } ؛ أي لَمَّا انتهَى موسى إلى المكانِ الذي وقَّتْنَا له ، وأمرناهُ بالسَّير إليه وهو مَدْيَنُ ، وقولهُ تعالى: { وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ } أي كَلَّمَهُ من غيرِ تَرْجُمان ولا سفيرٍ ، كما كَلَّمَ الأنبياءَ على ألْسِنَةِ الملائكةِ.
فلما نَاجَاهُ رَبُّهُ استحلَى كلامَهُ ، واشتاقَ إلى رُؤية رَبِهِ وطَمِعَ فيها ، فـ { قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ } ؛ أي اعطِني أنظُرْ إليك ، { قَالَ لَن تَرَانِي } ؛ ولستَ تطيقُ النظرَ إلَيَّ في الدُّنيا ، فمَن نظرَ إلَيَّ ماتَ ، فقال: إني سمعتُ كلامَكَ واشتقتُ إلى رُؤيتِكَ ، ولأَنْ أنْظُرْ إليك ثم أموتُ أحَبُّ إلَيَّ مِن أن أعيشَ ولا أراكَ ، فقال اللهُ تعَالى: { وَلَـاكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ } ؛ أي إلى أعظمِ جَبَلٍ لِمَدْيَنَ وهو جبلُ زُبَيْر ، { فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي } .
قَوْلُهُ تَعَالَى: { فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ } ؛ أي ظهرَ له من نورهِ ما شاءَ ، ويقالُ ألقَى عليه نُورًا من الأنوار ، { جَعَلَهُ دَكًّا } ؛ أي كَسَّرَهُ جِبالًا صِغَارًا ، تقطَّعَ الجبلُ من هيبةِ الله عَزَّ وجَلَّ ، فصارَ ثَماني فِرَقٍ ، أربعُ قِطَعٍ منه وقعنَ بمكَّة: ثورٌ وثُبَيْرٌ وحِرَاءُ وَغَارُ ثَوْرٍ ، وأربعُ قِطَعٍ وقَعن بالمدينةِ: أُحُدُ وَرَوْقُ وَرَضْوَى وَالْمِهْرَاسُ.
وقولهُ تعالى: { وَخَرَّ موسَى صَعِقًا } ؛ أي سَقَطَ مَغْشِيًّا عليه ، { فَلَمَّآ أَفَاقَ } مِن غَشْيَتِهِ ، { قَالَ سُبْحَانَكَ } ؛ أي تَنْزِيهًا لكَ مِن قَولِي ومِن كلِّ سُوءٍ ، { تُبْتُ إِلَيْكَ } ؛ مِن مسأَلَتِي للرُّؤية ، { وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ } من أهلِ هذا الزَّمان إنك لا تُرى في الدُّنيا.
وقال الحسنُ: (قَالَ اللهُ لِمُوسَى: أعْرِضُ رُؤيَتِي عَلَى الْجَبَلِ ، فَإنْ لَمْ يَحْمِلْهَا مَعَ عِظَمِهِ وَبَقَائِهِ عَلَى مَرِّ الزَّمَانِ ، فَأَنْتَ أيْضًا لاَ تَحْمِلُهَا) . قال: (مَعْنَى قَوْلِهِ { فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ } أيْ أوْحَى رَبُّهُ) . قَالَ: (وَمَا رَأى مُوسَى رَبَّهُ قَطْ ، وَلَكِنْ أوْحَى اللهُ إلَى الْجَبَلِ هَلْ تُطِيقُ رُؤيَتِي ، فَسَاخَ الْجَبْلُ وَمُوسَى يَنْظُرُ) .
وَقِيْلَ: إنَّ اللهَ تعالى أبرزَ من العرشِ مقدارًا الظُّفُرِ فَتَدَكُدَكَ الجبلُ ؛ لأن أجسامَ الدُّنيا لا تحتملُ آياتَ القيامة والأجسامَ العُلويَّة ، إذ من حُكم الدُّنيا أن تفنَى بآياتِ القيامةِ ، فلا تحتَلُها الدُّنيا.
وقرأ بعضُهم (دَكَّاءَ) بالهمزِ والمدِّ ؛ أي طَارَ أعلى الجبلِ وبقِيَ أسفلهُ دَكًّا ، والدَّكَأُ واحدُ الدَّكَوَاتِ ؛ وهي رَوابي الأرضِ التي تكونُ ناشزةً لا تبلغُ أن تكون جَبلًا ، ونَاقَةٌ دَكَّاء إذا لم يكن لها سَنَامٌ. ويحتملُ أن يكون معنى الدَّكِّ دَقُّ الجبلِ على الأرضِ ، يقال دَكْدَكْتُ الشيءَ اذا دَقْقْتُهُ. وقرأ عاصمُ (دَكًّا) هَهُنا بالقصرِ والتنوينِ ، والتي في الكهفِ بالمدِّ من غير تنوينٍ ، ومدُّهُما حمزةُ والكسائيُّ والباقين مقصورَين مُنَوَّنَينِ.
وَقِيْلَ: لَمَّا سألَ موسى رَبَِّهُ أرسلَ اللهُ الضبابَ والصواعقَ والظُّلمة والرعدَ والبرقَ ، فأحاطت بالجبلِ الذي عليه موسَى وأمرَ اللهُ ملائكته يعرِضُوا على موسَى ، فقالَ لَهم: اهبطُوا إلى عبدِي موسى الذي أرادَ أنْ يَرانِي ، فهَبَطُوا عليه في يدِ كلِّ مَلَكٍ منهم مثلُ النَّخلةِ الطويلةِ نارًا شديدةَ الضوءِ أشدُّ ضوءًا من الشمسِ ، ولبَاسُهم كلَهَب النار ، كلُّهم يقولون بشدَّة أصواتِهم: سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ رَبُّ الْعِزَّةِ أبَدًا لاَ يَمُوتُ ، وفي رأْسِ كلِّ منهم أربعةُ أوْجُهٍ.