قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: { مَن جَآءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا } ؛ أي مَن جاءَ بِخصْلَةٍ من الطاعاتِ فله عَشْرُ حسناتٍ ، { وَمَن جَآءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا } ؛ أي مَن جاءَ بخصْلَةٍ من المعصيةِ فلا يُجزى إلاَّ مثلَها ، { وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ } ؛ بالزيادةِ على مقدار ما يستحقُّون من العقاب ، وإنَّما قالَ ذلك لأنَّ الفضلَ بالنِّعَمِ جائزٌ ، والابتداءُ بالعقاب لا يجوزُ. وقرأ الحسنُ وسعيدُ بن جبير ويعقوبُ: (فَلَهُ عَشْرٌ) بالتنوينِ (أمْثَالُهَا) بالرَّفِعِ على معنى: فَلَهُ حسناتٌ عشرٌ أمثالُها.
وقد تكلَّمَ أهلُ العلمِ بالحسنات العَشْرِ التي وَعَدَ اللهُ في هذه الآية ؛ فقالَ بعضُهم: المرادُ بها التحديدُ بالعشرةِ. وقال بعضُهم: المرادُ بها التضعيفُ دونَ التَّحديدِ بالعشرة ؛ كما يقولُ القائل: لإِنْ أسديتَ إلَيَّ معروفًا لأَكَافِئَنَّكَ بعشرةِ أمثالهِ.
ثُمَّ اختلفُوا ؛ فقالَ بعضُهم: هو كُلُّهُ بفضلٍ وثَوَابٍ غير ذلكَ ؛ كأنهُ قال تعالى: مَنْ جَاءَ بالْحَسَنَةِ فلهُ عشرُ حسناتٍ من النِّعَمِ والسُّرورةِ زيادةً على ثواب حَسَنَتِهِ. قالُوا: ولا يجوزُ أن تُسَاوَى منْزلةُ التفضيل بمَنْزِلَةَ الثواب ؛ لأن الثوابَ لا بُدَّ أن يُقَارِنَهُ التعظيمُ والإجلالُ.
وقال بعضُهم: هذه الحسناتُ العَشْرُ تفضُّلٌ من اللهِ تعالى ؛ قالوا: ويجوزُ أن يَتَفَضَّلَ على مَن لا يعملُ مِثْلَ ثواب العامل ابتذالًا منه ؛ وتفضل في فعله على مَن لا يستحق عليه شيء.
وعن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم: أنَّهُ"إذا حَسُنَ إسْلاَمُ أحَدِكُمْ ؛ فَكُلُّ حَسَنَّةٍ يَعْمَلُهَا يُكْتَبُ لَهُ عَشْرُ أمْثَالِهَا ؛ إلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ ؛ إلَى مَا شَاءَ اللهُ. وَكُلّ سَيِّئَةٍ يَعْمَلُهَا ؛ يُكْتَبُ لَهُ مِثْلُهَا إلَى أنْ يَلْقَى الله تَعَالَى"
وعن خُرَيْمِ بنِ فَاتِكٍ قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:"الأَعْمَالُ سِتَّةٌ: مُوجِبَتَانِ ؛ وَمِثْلٌ بِمثْلٍ ؛ وَحَسَنَّةٌ بحَسَنَةٍ ؛ وَحَسَنَةٌ بعْشَرٍ ؛ وَحَسَنَّةٌ بسَبْعِمِائَةٍ. فَأَمَّا الْمُوجِبَتَانِ ؛ فَهُوَ مَنْ مَاتَ لاَ يُشْرِكُ باللهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ ، ومَنْ مَاتَ وَهُوَ مُشْرِكٌ باللهِ دَخَلَ النَّارَ. وَأمَّا مِثْلٌ بمِثْلٍ ؛ فَمَنْ عِمِلَ سَيِّئَةً ؛ فَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ بمِثْلِهَا. وَأمَّا حَسَنَةٌ بحَسَنَةٍ ؛ فَمَنْ هَمَّ بحَسَنَةٍ حَتَّى يُشْعِرَ بهَا نَفْسَهُ وَيَعْلَمُهَا اللهُ مِنْ قَلْبهِ ؛ كُتِبَ لَهُ حَسَنَةٌ. وَأمَّا حَسَنَةٌ بعَشْرٍ ؛ فَمَنْ عَمِلَ حَسَنَةً فَلَهُ عَشْرُ أمْثَالِهَا. وَأمَّا حَسَنَةٌ بسَبْعِمِائَةٍ ؛ فَالنَّفَقَةُ فِي سَبيْلِ اللهِ"