فهرس الكتاب

الصفحة 3459 من 4495

وقولهُ تعالى: { فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ } ؛ وهم خمسةٌ أُولُوا الكتب والشرائع: مُحَمَّدٌ صلى الله عليه وسلم ونوح وإبراهيم وموسَى وعيسى صَلواتُ اللهِ عليهم ، وَقِيْلَ: إنَّهم رسلٌ سُلِخُوا من جلودِهم فلم يجزَعُوا.

وَقِيْلَ: أرادَ بأُولِي العزمِ الأنبياءُ كلَّهم ، وحرف (مِنْ) على هذا القولِ لِتَبيين الجنسِ كما في قوله { فَاجْتَنِبُواْ الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ } [الحج: 30] ، قال ابنُ يزيد: (كُلُّ الرُّسُلِ كَانُوا أُوْلِي عَزْمٍ) .

وقال بعضُهم: كلُّ الأنبياءِ أُولُوا عزمٍ إلاَّ يونسَ عليه السلام ، ألاَ ترَى أنَّ نبيَّنا صلى الله عليه وسلم نُهي عن أنْ يكون مثلَهُ لخِفَّة وعجلةٍ ظهرت منهُ حين ولَّى مُغَاضِبًا لقومهِ ، فابتلاهُ الله بالحوتِ فابتلعَهُ ، وَقِيْلَ: أُولُوا العزمِ نُجبَاءُ الرُّسلِ المذكورون في سُورةِ الأنعامِ وهم ثمانيةُ عشر ، قَالَ اللهُ تَعَالَى فيهم { أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ } [الأنعام: 90] .

وقال مقاتلُ: (أُوْلُوا الْعَزْمِ سِتَّةٌ: نُوحٌ صَبَرَ عَلَى أذى قَوْمِهِ وَكَانُواْ يَضْرِبُونَهُ حَتَّى يُغْشَى عَلَيْهِ ، وَإبْرَاهِيمُ صَبَرَ عَلَى النَّار ، وَإسْحَاقُ صَبَرَ عَلَى الذبْحِ ، وَيَعْقُوبُ صَبَرَ عَلَى فَقْدِ وَلَدِهِ وَذهَاب بَصَرِهِ ، وَيُوسُفُ صَبَرَ عَلَى الْبئْرِ وَالسِّجْنِ ، وأيُّوبَ صَبَرَ عَلَى الضُّرِّ) . قال ابنُ عبَّاس: (الْعَزْمُ: الصَّبْرُ) ، وقال القَرَظِيُّ: الرَّأيُ وَالصَّوَابُ).

وقال الحسنُ: (أُوْلُوا الْعَزْمِ أرْبَعَةٌ: إبْرَاهِيمُ وَمُوسَى وَدَاوُدَ وَعِيسَى عَلَيْهِمُ السَّلاَمُ ، أمَّا إبْرَاهِيمُ فَعَزْمُهُ أنَّهُ قِيلَ لَهُ: أسْلِمْ ، َفَقَالَ أسْلَمْتُ لِرَب الْعَالَمِينَ ، وَابْتُلِيَ فِي وَلَدِهِ وََمَالِهِ وَنَفْسِهِ ، فَوُجِدَ صَادِقًا وَافِيًا فِي جَمِيعِ مَا ابْتُلِيَ بهِ ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: { وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ } [البقرة: 124] ، وَقَالَ اللهُ تَعَالَى: { وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى } [النجم: 37] ، وَأمَّا مُوسَى فَعَزْمُهُ أنَّ قَوْمَهُ كُلَّمَا قَالُوا لَهُ: إنَّا لَمُدْرَكُونَ ، قَالَ: كَلاَّ إنَّ مَعِي رَبي سَيَهْدِينِ. وَأمَّا دَاوُد عليه السلام فَعَزْمُهُ أنَّهُ أخْطَأَ خطِيئَةً فَبَكَى عَلَيْهَا أرْبَعِينَ سَنَةً. وَأمَّا عِيسَى فَعَزْمُهُ أنْ لَمْ يَضَعْ لَبنَةً عَلَى لَبنَةٍ زُهْدًا فِي الدُّنْيَا) .

فكأنَّ اللهَ تعالى قال لنَبيِّه صلى الله عليه وسلم: فاصبرْ كما صبرَ أُولُوا العزمِ من الرُّسلِ ؛ أي كن صَادقًا فيما ابتُلِيت به مثلَ صدقِ إبراهيمَ عليه السلام ، وكُن واثقًا بنصرِ مَولاَكَ مثلَ ثقةِ مُوسَى عليه السلام مُهتَمًّا بما سلفَ من هفَوَاتِكَ مثل اهتمامِ داودَ عليه السلام ، زاهدًا في الدُّنيا مثلَ زُهدِ عيسى عليه السلام ، فقالَ الشاعرُ: أُوْلُواْ الْعَزْمِ نُوحٌ وَالْخَلِيلُ كِلاَهُمَا مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبيُّ مُحَمَّدُفلمَّا نزلت هذه الآيةُ قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم:"واللهِ لأَصْبرَنَّ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ ، وَأجْهَدُ كَمَا جَهِدُوا ، ولاَ قُوَّةٍ إلاّ بالله".

وقولهُ تعالى: { وَلاَ تَسْتَعْجِل لَّهُمْ } ؛ وذلك أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم ضَجِرَ بعضَ الضَّجرِ من كُفرِهم ، وأحبَّ أن ينْزِلَ العذابُ بمَن أبَى منهم الإسلامَ ، فأُمِرَ بالصَّبرِ وتركِ الاستعجالِ ، ثم أخبرَ أنَّ العذابَ منهم قريبٌ ، فقوله: { كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ } ؛ من العذاب في الآخرة ؛ { لَمْ يَلْبَثُواْ إِلاَّ سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ } ؛ أي إذا عايَنُوا العذابَ صارَ طولُ لُبثِهم في الدُّنيا والقبور كأنَّهُ ساعةٌ ، لأنَّ ما مضَى كأنَّهُ لم يكن وإنْ كان طَويلًا.

وتَمَّ الكلامُ ، ثم قال تعالى: { بَلاَغٌ } ؛ أي هذا القرآنُ وما فيه من البيانِ بلاغٌ عن الله إليك ، والبلاغُ بمعنى التبليغِ بلَّغَكم مُحَمَّدٌ صلى الله عليه وسلم عن اللهِ عَزَّ وَجَلَّ. قَوْلُهُ تَعَالَى: { فَهَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ } ؛ أي لا يقعُ العذاب إلاَّ بالعاصِين الخارجين عن أمرِ الله تعالى ، وَقِيْلَ: معناهُ: ما يهلكُ إلاَّ مشركٌ أو منافقٌ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت