قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ } ؛ أي الْمُعَلْمُ بموضعِ المخافة ، الْمُبينُ لكم بلُغةٍ تصدِّقونَها. قَوْلُهُ تَعَالَى: { كَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ } ؛ قال الحسنُ: (مَعْنَاهُ: وَأنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ كَمَا أنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ وَهُمُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى) . سَمَّاهم مُقتَسِمينَ ؛ لأنَّهم اقتَسَموا كُتُبَ اللهِ تعالى ، فآمَنُوا ببعضِها وكَفَرُوا ببعضِها ، وهمُ ، { الَّذِينَ جَعَلُواْ الْقُرْآنَ عِضِينَ } ؛ أي فرَّقوهُ فآمَنُوا ببعضهِ وهو ما وافقَ دينَهم ، وكفَرُوا ببعضهِ وهو ما خالفَ دينهم ،
وقال بعضُهم: رهطٌ من أهلِ مكَّة ، قال مقاتلُ: (سِتَّةَ عَشَرَ رَجُلًا بَعَثَهُمُ الْوَلِيدُ ابْنُ الْمُغِيرَةِ أيَّامَ الْمَوْسِمِ ، فَاقْتَسَمُواْ الأعْقَابَ ، وَقَعَدُواْ عَلَى طَرِيقِهَا ، فَإذا جَاءَ الْحُجَّاجُ قَالَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ: لاَ تَغْتَرُّوا بهَذا الْخَارجِ مِنَّا الْمُدَّعِي النُّبُوَّةَ فَإنَّهُ مَجْنُونٌ ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ أُخْرَى عَلَى طَرِيقٍ أُخْرَى: إنَّهُ كاَهِنٌ ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ أُخْرَى: شَاعِرٌ ، وَالْوَلِيدُ قَاعِدٌ عَلَى بَاب الْمَسْجِدِ نَصَّبُوهُ حَكَمًا ، فَإذا سُئِلَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: صَدَقَ أُوْلَئِكَ يَعْنِي الْمُقْتَسِمِينَ) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: { الَّذِينَ جَعَلُواْ الْقُرْآنَ عِضِينَ } هم هؤلاءِ المقتَسِمين جَزَّءُوا القرآن ، فقالَ بعضُهم: سحرٌ ، وقال بعضهم: كَذِبٌ ، وقال بعضُهم: شِعرٌ ، وقال بعضُهم: أساطيرُ الأوَّلين ، وقال بعضُهم: مُفترَى. ومعنى التَّعْضِيَة: التفريقُ ، يقالُ: عَضَيْتُ الشيءَ إذا فرَّقتَهُ. قَوْلُهُ تَعَالَى: { فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ } ؛ أي في الآخرةِ ، { عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } ؛ مِن تفريقِ القرآن ، وصَرفِهم الناسَ عن دينِ مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم.
وعن أنسٍ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم وفي هذهِ الآية قالَ:"فَوَرَبكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَنْ قَوْلِ لاَ إلَهَ إلاَّ اللهُ"وَقَالَ عبدُالله: (وَالَّذِي لاَ إلَهَ غَيْرُهُ مَا مِنْكُمْ أحَدٌ إلاَّ وَيَسْأَلُهُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَقُولُ: يَا ابْنَ آدَمَ مَاذا عَمِلْتَ ؟ يَا ابْنَ آدَمَ مَاذا أجَبْتَ الْمُرْسَلِينَ) .
واعترضت الْمُلْحِدَةُ على هذه الآيةِ ، وعلى قولهِ تعالى { فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَآنٌّ } [الرحمن: 39] وحكَمُوا عليهم بالتناقُضِ!
والجوابُ: إنه لا يقالُ لهم هل عملتم كذا ؛ لأنه أعلَمُ بذلكَ منهم ، ولكن نقولُ لَهم: لِمَ عملتم كذا ، وقال قطربُ: (السُّؤَالُ عَلَى ضَرْبَيْنِ: سُؤَالُ اسْتِعْلاَمٍ وَاسْتِخْبَارٍ ، وَسُؤَالُ تَقْرِيرٍ وَتَوْبيخٍ ، فَقَوْلُهُ تَعَالَى: { فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَآنٌّ } [الرحمن: 39] يَعْنِي لاَ يَسْأَلُهُمْ سُؤَالَ اسْتِخْبَارٍ ؛ لأنَّهُ عَالِمٌ قَبْلَ أنْ يَخْلِقَهُمْ ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: { لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ } سُؤَالُ تَقْرِيرٍ وَتَقْرِيعٍ) .