قَوْلُهُ تَعَالَى: { فَلَماَّ عَتَوْاْ عَن مَّا نُهُواْ عَنْهُ } ؛ أي أبَوا أن يرجِعُوا عن المعصيةِ ، والعَاتِي هو شديدُ الدُّخولِ في الفسادِ الْمُتَمَرِّدُ الذي لا يقبلُ الموعظةَ. وقولهُ تعالى: { قُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ } ؛ أي مَطْرُودِينَ مُبعَدِينَ عن كلِّ خيرٍ ، مِن قولهم: خَسَّأْتُ الْكَلْبَ إذا قلتُ له: اخْسَأْ على الطردِ له. قال ابنُ عبَّاس: (يَا لَهَا مِنْ أكْلَةٍ مَا أوْخَمَهَا أنْ مُسِخُواْ قِرَدَةً فِي الدُّنْيَا وَفِي الآخِرةِ النَّارُ) .
وعن الضحَّاك قال: (ألْقَى اللهُ فِي فِكْرِ النَّاهِينَ حَتَّى بَاعُوا الدُّورَ وَالْمَسَاكِنَ ، وَخَرَجُواْ مِنَ الْقَرْيَةِ ، فَضَرَبُواْ الْخِيَامَ خَارِجًا مِنْهَا ، فَأَقْبَلَ الْعَذابُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ ، فَبَدَأ الْمَسْخُ مِنَ الرَّأسِ حَتَّى صَارَتْ لَهُمْ أذْنَابٌ كَأَذْنَاب الْقِرَدَةِ ، فَكَانَ النَّاهُونَ لاَ يَرَوْنَ أحَدًا يَخْرُجُ مِنَ الْقَرْيَةِ ، قَالُواْ: لَعَلَّ الْقَوْمَ قَدْ خُسِفُوأ أوْ رُمُواْ بحِجَارَةٍ مِنَ السَّمَاءِ ، فَحَمَلُواْ رَجُلًا مِنْهُمْ عَلَى سُلَّمٍ فَأَشْرَفَ عَلَيْهِمْ ، فَإذا هُمْ قِرَدَةٌ لَهُمْ أذْنَابٌ ، فَصَاحَ فَقَالَ: إنَّ الْقَوْمَ قَدْ صَارُوا قِرَدَةً ، فَكَسَرُواْ الْبَابَ ، فَدَخَلُوا عَلَيْهِمْ مَنَازلَهُمْ فَإذا هُمْ يَبْكُونَ وَيَضْرِبُونَ بالأَذْنَاب ، يُعْرَفُ الرَّجُلُ مِنَ الْمِرْأَةِ ، فَقَالُوا لَهُمْ: ألَمْ نَنْهَكُمْ عَنْ مَعْصِيَةِ اللهِ ؟ فَأَشَارُواْ برُؤُوسِهِمْ: بَلَى ؛ وَدُمُوعُهُمْ تَسِيلُ عَلَى خُدُودِهِمْ) .
قال أنسُ بن مالكٍ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إنَّهُ سُئِلَ: هَلْ فِي أُمَّتِكَ خَسْفٌ ؟ قَالَ:"نَعَمْ"قِيلَ: وَمَتَى ذلِكَ يَا رَسُولِ اللهِ ؟ قَالَ:"إذا لَبسُواْ الْحَرِيرَ ، وَاسْتَبَاحُواْ الزِّنَا ، وَشَرِبُواْ الْخُمُورَ ، وَطَفَّفُواْ الْمِكْيَالَ والْمِيزَانَ ، وَاتَّخَذُوا الْقَيْنَاتِ وَالْمَعَازِفَ ، وَضَرَبُواْ بالدُّفُوفِ ، وَاسْتَحَلُّوا الصَّيْدَ فِي الْحَرَمِ"."
وقال عكرمةُ:(جِئْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ وَهُوَ يَبْكِي وَالْمُصْحَفُ فِي حِجْرِهِ ، فَقُلْتُ: مَا يُبْكِيكَ ؟ قَالَ: هَؤُلاَءِ الْوَرَقَات ، فَإذا هِيَ سُورَةُ الأَعْرَافِ ، فَقالَ: أَتَعْرِفُ إيلَةَ ؟ قُلْتُ: نَعَمْ ، قالَ: كَانَ بهَا حَيٌّ مِنَ الْيَهُودِ فِي زَمانِ دَاوُدَ ، حُرِّمَ عَلَيْهِمْ صَيْدُ الْحِيتَانِ ، وَاخْتَارُواْ السَّبْتَ فَابْتُلُواْ فِيْهِ ، وَحُرِّمَ عَلَيْهِمْ فِيْهِ الصَّيْدُ ، وَأُمِرُواْ بتَعْظِيمِهِ إنْ أطَاعُواْ أُجِرُواْ ، وَإنْ عَصَوا عُذِّبُواْ.
وَكَانَتِ الْحِيتَانُ تَأتِيهِمْ يَوْمَ السَّبْتِ شُرَّعًا بيْضًا سِمَانًا كَأَنَّهَا الْكِبَاشُ تَنْطَحُ ، وَيَوْمَ لاَ يَسْبتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ ، فَوَسْوَسَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ ، وَقَالَ: إنَّما نُهِيتُمْ عَنْ أخْذِهَا يَوْمَ السَّبْتِ ، فَاتَّخَذُوا الْحِيَاضَ وَكَانُواْ يَسُوقُونَ إلَيْهَا الْحِيتَانَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، فَتَبْقَى فِيْهَا وَلاَ أخَذُوا وَِأكَلُواْ وَعَبَّوا وَكَثُرَ مَالُهُمْ ، فَلَعَنَهُمْ دَاوُدُ عليه السلام فأَصْبَحُواْ قِرَدَةً خَاسِئِِينَ). وقال قتادة: (صَارَ الشَّبَابُ قِرَدَةً ، وَالشُّيُوخُ خَنَازِيرَ) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: { بِعَذَابٍ بَئِيسٍ } [الأعراف: 165] أي شَدِيدٍ وَجِيعٍ ، قرأ أهلُ المدينةِ بكسرِ الباء وجزمِ الياء من غيرِ همزٍ ، وقرأ ابنُ عامر كذلكَ إلا أنَّه بهمزة ، وقرأ عاصمُ في روايةِ أبي بكر بالفتحِ وجزم الياء وفتح الهمزة على وزنِ فَيْعَلٍ مثل صَيْقَلٍ ؛ وقرأ أهلُ البصرةِ (بَئِيسٍ) بفتحِ الباء وكسرِ الهمزة على وزن فعيلِ ، وقرأ الحسن (بيسٍ) بكسرِ الباء وفتح السِّين على (بيسَ الْعَذاب) ، وقرأ مجاهدُ (بَايسٍ) على وزن فاعِلٍ ، وقرأ أبو إياس بفتحِ الباء والياء من غير همزٍ ، وقرأ الباقون (بَئِيسٍ) على وزن فَعِيلٍ.