فهرس الكتاب

الصفحة 772 من 4495

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: { وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَآ إِلاَّ هُوَ } ؛ قرأ ابن السُّمَيقِعِ: (مَفَاتِيْحُ الْغَيْب) بالياء. واختلفُوا في معنى (مَفَاتِحُ الْغَيْب) فروى عبدُالله بن عمرَ: أنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قالَ:"مَفَاتِحُ الْغَيْب خَمْسٌ لاَ يَعْلَمُهَا إلاَّ اللهُ: عِلْمُ السَّاعَةِ ، وَنُزُولُ الْغَيْثِ ، وَعِلْمُ مَا فِي الأَرْحَامِ ، ومَا تَدْري نَفْسٌ مَاذا تَكْسِبُ غَدًا ، وَمَا تَدْري نَفْسٌ بأَيِّ أرْضِ تَمُوتُ". وقال السُّدِّيُّ: (مَفَاتِحُ الْغَيْب: خَزَائِنُ الْغَيْب) وَهِيَ الْمَقْدُورَاتُ الَّتِي يُفْـتَحُ بهَا مَا فِي الْغَيْب ، وَسُمِّيَتِ الْخِزَانَةُ مِفْتَاحًا ؛ لأَنَّهُ يَنْفَتِحُ مِنْهُ الأَمْرُ).

وقيل: { مَفَاتِحُ الْغَيْبِ } ما ينفتحُ به علمُ ما في الغيب من وقتِ نزول العذاب الذي كانوا يستعجلُون به وغيرُ ذلك. قيل: معناهُ: { وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ } أي نزولُ العذاب لا يَعلمُ متَى ينْزل ما غابَ عنكم من الثواب والعقاب ، وما يصيرُ إليه من أمرِي وأمرِكم إلا هوُ. وقيل: معناهُ: { مَفَاتِحُ الْغَيْب } الآجَالُ وأحوالُ العباد من السَّعادة والشَّقاوةِ ، وعواقب الأمور ، وخواتِم الأعمال. وقال ابنُ مسعود رضي الله عنه: (أوْتِيَ نَبيُّكُمْ عليه السلام كُلَّ شَيْءٍ إلاَّ مَفَاتِحَ الْغَيْب) . وَالْمَفَاتِحَ جَمْعُ مِفْتَحٍ ، وَالْمَفَاتِيْحُ جَمْعُ مِفْتَاحٍ ؛ وهو معرفةُ المغيَّب.

وَقَوْلُهُ تَعَالَى: { وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ } ؛ أي يَعْلَمُ ما في البرِّ من النباتِ والْخَلْقِ ؛ وَما في الْبَحْرِ من الدواب والعجائب. وقيل: يعلمُ رزقَ كلِّ مَنْ في البرِّ والبحر ، يسوقُ إلى كلِّ ذي روحٍ رزقَهُ.

وقَوْلُهُ تَعَالَى: { وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا } ؛ قال ابنُ عبَّاس: (مَا مِنْ شَجَرَةٍ فِي الْبَرِّ إلاَّ وَبهَا مَلَكٌ مُوكَّلٌ يَعْلَمُ مَا يُؤْكَلُ مِنْهَا ، وَمَا يَسْقُطُ مِنْ وَرَقِهَا ، وَيَعْلَمُ عَدَدَ مَا بَقِيَ عَلَى الشَّجَرَةِ مِنَ الْوَرَقِ وَمَا يَسْقُطُ مِنْهُ) . وقيل: معنى الآيةِ: { وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ } من أوراقِ الشَّجر ، { إِلاَّ يَعْلَمُهَا } اللهُ ثابتةً وساقطةً ، ويعلمُ متَى سقوطُها وموضعُ سقوطها.

قَوْلَهُ تَعَالَى: { وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ } ؛ أي كلُّ حبَّة تكون في الأرضِ حتى الحبَّةُ التي تكون تحتَ الصخرة التي هي أسفلُ الأرضين يعلمُها الله ، وقيل: أرادَ كلَّ حبَّة تكون في شُقوق الأرضِ مِمَّا يخرجُ منها النبات. ومن قرأ (وَلاَ حَبَّةٌ) بالرفعِ فعلى الابتداء ؛ وخبرهُ { إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ } .

وَقَوْلَهُ تَعَالَى: { وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ } ؛ أرادَ بالرَّطْب الماءَ والخضر ، وباليابسِ الحجرَ والمدرَ ، كلُّ ذلك مكتوبٌ في اللوحِ المحفوظ ، أثبتَ اللهُ تعالى فيه كلَّ ما يخلقُ قبلَ أن يخلقَهُ ، كما قالت تعالى: { مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي أَنفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَآ } [الحديد: 22] .

وَاعْلَمْ: أنهُ قد أثبتَ ما خَلَقَ قبل خلقِهِ. والرطبُ واليابس عبارةٌ عن جميع الأشياءِ التي تكون في السَّموات والأرضِ ؛ لأنَّها تخلق من أحدِ هاتين الصِّفتين. وعن النبِيُّ صلى الله عليه وسلم أنهُ قال:"مَا زَرْعٌ عَلَى الأَرْضِ وَلاَ ثِمَارٌ عَلَى الأَشْجَار ؛ إلاَّ عَلَيْهَا مَكْتُوبٌ: بسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ ، رزْقُ فُلاَنِ بْنِ فُلاَنٍ".

فإن قيلَ: ما الفائدةُ في كون ذلك مكتوبًا في اللَّوح مع أنَّ اللهَ لا يخفى عليه شيءٌ ، وأنه كان عالِمًا بذلك قبلَ أن يخلقَه وقبل أن يكتبَه ؛ ولم يكتُبها ليحفظَها ويدريها. قيل: فائدتهُ أن الحوادثَ إذا حدثت موافقةً للمكتوب ، ازدادَتِ الملائكةُ بذلك علمًا ويقينًا بعِظَمِ صفاتِ الله عَزَّ وَجَلُّ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت