قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: { قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ } ؛ أي قل لَهم يا مُحَمَّدُ: إنَّنِي وَفَّقَنِي ربي وأرشدَنِي إلى دين الحقِّ الذي أدعُو الْخَلْقَ إليه. قَوْلُهُ تَعَالَى: { دِينًا قِيَمًا } ؛ أي دِيْنًا هو غايةٌ في الاستقامة.
قرأ أهلُ الكوفةِ والشَّام: (قِيَمًا) بكسرِ القاف وفتحِ الياء مخفَّفًا ؛ فمعناهُ: المصدرُ ؛ كالصِّغَرِ والكِبَرِ ، ولم يقلْ: قَوْمًا ؛ لأنه مِن قولك: قَامَ يَقُومُ قِيَامًا وقِيَمًا. وقرأ الباقونَ بالتشديد. وتصديقُ التشديدِ: { ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ } [التوبة: 36] { وَذَلِكَ دِينُ القَيِّمَةِ } [البينة: 5] . والقيِّمُ: الْمُسْتَقِيْمُ. واختلفَ النُّحَاةُ في نصبهِ ؛ فقال الأخفشُ: (هَدَانِي دِيْنًا قَيِّمًا) . وَقِيْلَ: عرَّفَني دينًا. وَقِيْلَ: أعْنِي دينًا. وَقِيْلَ: انتصَبَ على الإغرءِ ؛ أي الْتَزِمُوا دينًا واتَّبعوا دينًا.
قَوْلُهُ تَعَالَى: { مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا } ؛ أي دينَ إبراهيم ؛ وهو بدلٌ من قوله (دِيْنًا) . وقولهُ (حَنِيْفًا) أي مَائلًا عن الشِّركِ وجميع الأديانِ الباطلة مَيْلًا لا رجوعَ فيه ، وهو نَصْبٌ على الحال ؛ كأنه قال: عَرَّفَنِي دينَ إبراهيم في حالِ حَنِيْفِيَّتِهِ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: { وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ } ، أي ما كانَ إبراهيمُ عليه السلام على دينِ المشركين. إنَّما أضافَ هذا الدينَ إلى إبراهيم ؛ لأن إبراهيمَ كان مُعَظََّمًا في عُيُونِ العرب ، وفي قلوب سائرِ أهل الأديَان ؛ إذ أهلُ كلِّ دينٍ يزعمون أنَّهم يُبَجِّلُونَ دينَ إبراهيم عليه السلام.