فهرس الكتاب

الصفحة 446 من 4495

قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَآتُواْ الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ } ؛ قال مقاتلُ والكلبيُّ:"نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي رَجُلٍ مِنْ غَطْفَانَ ؛ كَانَ فِي يَدِهِ مَالٌ كَثِيْرٌ لابْنِ أخٍ لَهُ يَتِيْمٍ ، فَلَمَّا بَلَغَ الْيَتِيْمُ طَلَبَ مَالَهُ ، فَمَنَعَهُ الْعَمُّ فَتَرَافَعَا إلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ إلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: { إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا } . فَقَرَأهَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، فَقَالَ الرَّجُلُ: أطَعْنَا اللهَ وَأطَعْنَا الرَّسُولَ وَنَعُوذُ باللهِ مِنَ الْحَوْب الْكَبيْرِ ، فَدَفَعَ مَالَهُ إلَيْهِ ، فَقَالَ صلى الله عليه وسلم:"مَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ وَيُطِيْعَ رَبَّهُ هَكَذا فَإنَّهُ يَحِلُّ دَارَهُ إلى جَنَّةٍ"فَلَمَّا قَبََضَ الصَّبيُّ مَالَهُ أنْفَقَهُ فِي سَبِيْلِ اللهِ ، فَقَالَ صلى الله عليه وسلم:"ثَبَتَ الأَجْرُ وَبَقِيَ الْوِِزْرُ"فَقَالوُا: يَا رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، عَرَفْنَا أنَّهُ ثَبَتَ الأَجْرُ ، فَكَيْفَ بَقِيَ الْوِزْرُ وَهُوَ يُنْفِقُ فِي سَبيْلِ اللهِ ؟ فَقََالَ:"ثَبَتَ الأَجْرُ لِلْغُلاَمِ ؛ وَبَقِيَ الْوِزْرُ عَلَى وَالِدِهِ"لأَنَّ الْوَالِدَ كَانَ مُشْرِكًا".

وإنََّما سَمَّى اللهُ تعالى البالغَ يتيمًا ، ولا يُتْمَ بعدَ البلوغِ استصحابًا بالاسم الأوَّل ، كما قالَ تعالى: { وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ } [الأعراف: 120] ولا سِحْرَ مع السُّجود ، ولأنه قريبُ عَهْدٍ بالْيُتْمِ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ } أي لاَ تبذِّروا أموالَكم الحلالَ وتأكلُوا الحرامَ من أموالِ اليتامَى. قالَ سعيدُ بن المسيَّب والنخعيُّ والزهريُّ والسدي والضحَّاك: (كَانَ أوْصِيَاءُ الْيَتَامَى وَأوْلِيَاؤُهُمْ يَأْخُذُونَ الْجَيِّدَ مِنْ مَالِ الْيَتِيْمِ ، وَيَجْعَلُونَ مَكَانَهُ الرَّدِيْءَ ، وَرُبَّمَا كَانَ أحَدُهُمْ يَأَخُذُ الشَّاةَ السَّمِيْنََةَ مِنْ مَالِ الْيَتِيْمِ ، وَيَجْعَلُ مَكَانَهَا الْمَهْزُولَةَ ، وَيَأْخُذُ الدِّرْهَمَ الْجَيِّدَ وَيَجْعَلُ مَكََانَهُ الزَّيْفَ وَيَقُولُ: دِرْهَمٌ بِدِرْهَمٍ ؛ فَذلِكَ تَبْدِيْلُهُمْ ، فَنَهَاهُمُ اللهُ تَعَالَى عَنْ ذلِكَ) .

وقال مجاهدُ: (مَعْنَى الآيَةِ: لاَ تَجْعَلْ رزْقَكَ الْحَلاَلَ حَرَامًا ؛ تَتَعَجَّلُهُ بأَنْ تَسْتَهْلِكَ مَالَ الْيَتِيْمِ ، فَتُنْفِقَهُ عَلَى نَفْسِكَ ، وَتَحَرَّ فِيْهِ لِنَفْسِكَ وَتُعْطِيْهِ غَيْرَهَ ، فَيَكُونَ مَا يَأْخُذُهُ مِنْ مَالِ الْيَتِيْمِ حَرَامًا خَبيْثًا ، وَتُعْطِيْهِ مَالَكَ الْحَلاَلَ ، وَلَكِنْ آتوهُمْ أمْوَالَهُمْ بأعْيَانِهَا) . وفي هذا دليلٌ على أنه لا يجوزُ لولِيِّ اليتيمِ أن يستقرضَ مالَ اليتيم ولا أن يستبدلَهُ من نفسهِ ، وقيل: معنى { وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ } أي لا تجعلِ الزيف بدلَ الجيِّد ؛ ولا المهزولَ بدل السَّمين.

قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ } ؛ كقوله تعالى: { مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ } [آل عمران: 52] أي مَعَ اللهِ ، وقيل معناه: لا تأكلُوا أموالَهم مُضِيْفِيْنَ إلى أموالِكم ؛ لأنَّهم كانوا يَخْلِطونَ أموالَ اليتامَى بأموالِهم حتى يصيرَ دَيْنًا عليهم ، ثم كانوا يبيعونَها مع أموالِهم ويربحونَ عليها ويَسْتَبدُّونَ بتلك الأرباحِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: { إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا } ؛ أي إثْمًا عَظِيْمًا ، وفيه ثلاثُ لغاتٍ: قراءةُ العامَّة: (حُوبًا) بالضمِّ وهي قراءةُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم وهي لغةُ أهلِ الحجازِ ، وقراءة الحسنِ (إنَّهُ كَانَ حَوْبًا) بفتح الحاء وهي لغةُ تَميم ، وقراءةُ أبَيِّ بن كعبٍ: (حَابًا) على المصدر مثلُ القَالِ ، ويجوزُ أن يكون اسْمًا مثلُ الزادِ ، ويقالُ للذنب: حُوبٌ وَحَوْبٌ وَحَابٌ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت