فهرس الكتاب

الصفحة 308 من 4495

قوله عَزَّ وَجَلَّ: { فَلَمَّآ أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ } ؛ أي لَمَّا وجدَ عيسى ، وقيل: لَمَّا عَلِمَ منهم الكفرَ والقصدَ إلى قتلِه ؛ { قَالَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ } ؛ أي مَن أعْوَانِي معَ اللهِ ، وقيل: معناهُ: مَن أنصَاري إلى سبيلِ اللهِ ، وقيل: مَن أنصاري للهِ ، { قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ } ؛ أي قال المُخْلِصُونَ في النُّصرةِ والتَّصديقِ: نَحْنُ أعوانُ دِيْنِ اللهِ معكَ ؛ { آمَنَّا بِاللَّهِ } ؛ أي صَدَّقْنَا بتوحيدِ الله ؛ { وَاشْهَدْ } ؛ يَا عيسى ؛ { بِأَنَّا مُسْلِمُونَ } ؛ والإحساسُ هو العلم من خَلجَاتِهم.

واختلفَ المفسَِّرونَ في الحواريِّين ، قال بعضُهم: هم المخلصونَ الخواصُّ كما قالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:"الزُّبَيرُ ابْنُ عَمَّتِي وَحَواريِّي مِنْ أُمَّتي"أي هو مِنْ أمَّتِي ، وكان الحواريونَ لعيسى اثْنَى عشرَ رَجُلًا مِن أصحابهِ ، مكانَ العشرةِ من النبيِّ صلى الله عليه وسلم ، سُمُّوا الحواريينَ مِن الْحَوَر وَهُوَ الْخُلُوصُ. يقالُ: عَيْنٌ حَوراءُ إذا اشْتَدَّ بَيَاضُ بَيَاضِهَا وَقَلُصَ ؛ وَاشْتَدَّ سَوَادُ سَوَادِهَا وَخَلُصَ ، ومنهُ وفيهِ يقال: دَقِيْقٌ حَوَاريٌّ للَّذِي لم يبق منه إلاَّ لُبَابُهُ. وقال بعضُهم: سُمُّوا حواريين من الْحَوَار وهو البياضُ ، إلاَّ أنَّهم اختلفُوا في بياضهم. قيلَ: كانوا قصَّاريْنَ يُبَيِّضُونَ الثيابَ فمرَّ بهم عيسى عليه السلام فقالَ: ألاَ أدُلُّكُمْ عَلَى تَطْهِيْرٍ أنْْفَعُ مِنْ هَذَا ؟ قالوا: نَعَمْ ، قالَ: تَعَالَواْ حَتَّى نُطَهِّرَ أنْفُسَنَا مِنَ الذُّنوب ، فَبَايَعُوهُ على ذلكَ. وقيل: كانوا بيْضَ الثياب ، وقيل: كانوا بيْضَ القلوب من الفسَاد.

وقال بعضُهم: كانوا صَيَّادِيْنَ ، قال لَهم عيسى عليه السلام: ألاَ أدُلُّكم على اصطيادٍ أنفعُ مِن هذا ؟ قالوا: بَلَى ، قال: تعالَوا حتى نصطادَ أنفسَنا من شِرْكِ إبليسَ ؛ فبايَعُوه.

كأنَّهم ذهبوا في هذا إلى اشتقاقهِ مِنَ الْحَوَر الذي هو الرُّجوع ، ومنه سُمِّي الْمِحْوَرُ لأنه راجعٌ إلى المكانِ الذي زالَ منه ، وقيل: لأنه بدورانهِ يَنْصَقِلُ حتى يَبْيَضَّ. والْمِحْوَرُ عودُ الْخَبَّاز ، وقيل: َ الْمِحْوَرُ الذي تدورُ عليه البَكْرَةُ ، وربَّما كان من حديدٍ.

وأمّا ما رُوي في الحديثِ:"نَعُوذُ باللهِ مِنَ الْحَوَرِ بَعْدَ الْكَوْر"فمعناهُ: مِن الرجوعِ والخروج من الجماعَة بعدَ أنْ كُنَّا فيها ، يقال ، كَارَ عِمَامَتَهُ إذا لفَّها على رأسهِ ؛ وحَارَهَا: إذا نَقَضهَا.

قال مُصْعَبُ: (لَمَّا اتَّبَعَ الْحَوَاريُّونَ عِيْسَى عليه السلام وَهُمُ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا ، وَكَانُواْ إذا جَاعُواْ قَالُواْ: يَا رُوحَ اللهِ جُعْنَا ، فَيَضْرِبُ بيَدِهِ الأَرْضَ سَهْلًا كَانَ أوْ جَبَلًا ، فَيَخْرُجُ لِكُلِّ إنْسَانٍ رَغِيْفيْنِ فَيَأكُلُهُمَا. فَإذا عَطِشُوا قَالُواْ: يَا رُوحَ اللهِ عَطِشْنَا ، فَيَضْرِبُ بيَدِهِ الأَرْضَ فَيَخْرُجُ الْمَاءُ فَيَشْرَبُونَ ، قَالُواْ: يَا رُوحَ اللهِ ؛ مَنْ أفْضَلُ مِنَّا إذا شِئْنَا أَطْعِمْنَا وَإنْ شِئْنَا أسْقِيْنَا ، وَآمَنَّا بكَ وَاتَّبَعْنَاكَ ؟ قال: أفْضَلُ مِنْكُمْ مَنْ يَعْمَلُ بيدِهِ ، وَيَأَكُلُ مِنْ كَسْبهِ ، قَالَ: فَصَارُواْ يَغْسِلُونَ الثِّيَابَ بالْكَرْيِ) .

وقال ابنُ المبارك: (سُمُّوا حَوَارِيِّيْنَ لأنَّهُ كَانَ يُرَى بَيْنَ أعْيُنِهِمْ أثَرُ الْعِبَادَةِ وَنُورُهَا وَحُسْنُهَا) . قال النضرُ بن شُمَيل: (الْحَوَاريُّ خَاصَّةُ الرَّجُلِ الَّذِي يَسْتَعِيْنُ بهِ فِيْمَا يَنُوبُهُ) . وعن قتادةَ قال: (الْحَوَاريُّ: الْوَزيْرُ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت