قوله عَزَّ وَجَلَّ: { ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ } ؛ قال ابنُ عباس: (لَمَّا حَرَّمَ الرِّبَا أبَاحَ السَّلَمَ) وَظَاهِرُ الآيَةِ عَلَى كُلِّ دَيْنٍ مِنْ سَلَمٍ وَغَيْرِهِ. ومعنى الآية: { ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا } تبايعتم بالنَّسيئةِ إلى وقتٍ معلوم فاكتبُوا الدَّين بأجلهِ وأشْهِدُوا عليه كَيْلا تحدِّث نفسُ أحدِكم بالطمعِ في حقِّ صاحبه ، ولا يقعُ شكٌّ في مقدارهِ ، ولا جحودٌ ولا نسيانٌ. والدَّين: ما كانَ مؤجَّلًا ، والعينُ: ما كان حَاضِرًا.
واختلفُوا في هذه الكتابةِ أنَّها فَرْضٌ أو ندبٌ ؟ فذهبَ أبو سعيدٍ الخدري والحسنُ والشعبيُّ: (أنَّ الْكِتَابَةَ والإشْهَادَ عَلَى الدُّيُونِ الآجِلَةِ كَانَا وَاجِبَيْنِ بِهَذِهِ الآيَةِ ، ثُمَّ نُسِخَا بقَوْلِهِ تَعَالَى: { فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا } [البقرة: 283] . وقال ابنُ عباس:(لاَ وَاللهِ ، إنَّ آيَةَ الدَّيْنِ مُحْكَمَةٌ مَا فِيْهَا نَسْخٌ) . وهو قولُ الربيعِ وكعبٍ ، وهذا هو الأصحُّ ؛ لأن الأمرَ بالكتابةِ والإشهادِ إنَّما وردَ مقرونًا بقولهِ: { فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا } [البقرة: 283] ، ويستحيلُ ورودُ الناسخِ والمنسوخِ معًا في شيءٍ واحد ، فكأنَّ المرادَ بالأمرِ الندبُ.
والفائدةُ في قوله: { إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى } بيانُ إعلامِ وجوب الأجلِ ؛ فإن جهالةَ الأجلِ في الْمُبَاعَاتِ تفسدُها. وقال بعضُهم: إن الكتابةَ فرضٌ واجبٌ.
وقال ابن جُريج: (مَنْ أدَانَ دَيْنًا فَلْيَكْتُبْ ، وَمَنْ بَاعَ فَلْيُشْهِدْ) . يدلُّ عليه ما رُوي أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ:"ثَلاَثَةٌ يَدْعُونَ اللهَ فَلاَ يُسْتَجَابُ لَهُمْ: رَجُلٌ كَانَ لَهُ دَيْنٌ فَلَمْ يُشْهِدْ ، وَرَجُلٌ أعْطَى سَفِيْهًا مَالًا وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: { وَلاَ تُؤْتُواْ السُّفَهَآءَ أَمْوَالَكُمُ } ، وَرَجُلٌ كَانَتْ عِنْدَهُ امْرَأةُ سَيِّئَةُ الْخُلُقِ فَلَمْ يُطَلِّقْهَا".
وقال قومٌ: هو مستحبٌ ؛ وإن كتَبَ فحسنٌ وإن تركَ فلا بأسَ ، كقولهِ تعالى: { وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُواْ } [المائدة: 2] وقولهِ تعالى: { فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاَةُ فَانتَشِرُواْ } [الجمعة: 10] .
قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ } ؛ قرأ الحسنُ: (وَلِيَكْتُبْ) بكسرِ اللام وهذه لامُ الأمرِ ، وهي إذا كانت مفردةً"سُكِّنَتْ"طلبًا للخفَّةِ ، ومنهم من يكسِرُها فليس فيها إلا الحركةُ ، وإذا كان قبلَها (واو) أو (فاء) أو (ثُمَّ) فأكثرُ العرب على تسكينِها طلبًا للخفَّةِ. ومنهم من يكسِرُها على الأصلِ.
ومعنى هذه الآيةِ: وَلْيَكْتُبْ كاتبٌ بين البائعِ والمشتري ؛ والطالب والمطلوب بالحقِّ والإنصافِ ، فلا يزادُ فيه ولا ينقصُ منه ، ولا يقدِّمُ الأجلَ ولا يؤخِّرهُ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ } ؛ أي لا يَمْتَنِعُ أن يكتبَ كما ألْهَمَهُ اللهُ شُكرًا لِما أنعمَ عليه حيث علَّمهُ الكتابةَ وأحوجَ غيرهُ إليهِ ؛ { فَلْيَكْتُبْ } .
واختلفوا في وجوب الكتابة على الكاتِب ؛ والشهادةِ على الشاهدِ ؛ فقال مجاهدُ والربيع: (وَاجِبٌ عَلَى الْكَاتِب أنْ يَكْتُبَ) . وقال الحسنُ: (ذَلِكَ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي لاَ يَقْدِرُ فِيْهِ عَلَى كَاتِبٍ غَيْرِهِ ، فَيَضُرُّ بصَاحِب الدَّيْنِ إنِ امْتَنَعَ ، فَإنَّ الْكِتَابَةَ حِيْنَئِذٍ عَلَيْهِ فَرِيْضَةٌ.