قَوْلُهُ تَعَالَى: { إِذْ أَنتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُم بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنكُمْ } ؛ أي اذكرُوا يا أصحابَ مُحَمَّدٍ إذ كُنتم بالعُدوَةِ الدُّنيا ، أي شَفِيرِ الوادِي الذي يَلِي المدينةَ ، يقالُ لشَفِيرِ الوادِي عَدْوَةٌ وَعِدْوَةٌ ، { وَهُم بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى } يعني المشركينَ بالجانب الآخر من الوَادِي على شفير الأبعدِ من المدينةِ ، وهو الجانبُ الذي يَلي مكَّةَ. وقوله تعالى { وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنكُمْ } أي والقافلةُ الْمُقْبلَةُ من الشَّام التي كان أبو سُفيان فيها كانت أسفلَ منهم بثلاثةِ أميالٍ كانوا نَازِلين أسفلَ الوادي.
قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَلَوْ تَوَاعَدتُّمْ لاَخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ } ؛ أي إنَّ اللهَ جَمَعَكم مع المشركين وأصحاب العِيرِ في ليلةٍ واحدة بمَنْزِلٍ واحدٍ ، ولو تَواعَدْتُم للاجتماعِ هناكَ لاختلَفْتُم في المعيادِ بالعوائقِ التي تعوقُ عن ذلك ، وبأنَّكم لو كُنتم تعلمون كثرةَ عددِ المشركين وقلَّةَ عَدَدِكم لم تَحضُروا في ذلك المكان للقتالِ. وقولهُ تعالى: { وَلَـاكِن لِّيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا } ؛ أي ولكن قَدَّرَ اللهُ اجتماعَكم في ذلك المكانِ ليَقْضِيَ الله أمْرًا كائنًا لا محالةَ من إعزازِ المسلمين وإعلائهِ"الإسلام". على سائرِ الأديان.
قَوْلُهُ تَعَالَى: { لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ } ؛ أي ليَمُوتَ من ماتَ منهم بعد قيامِ الحجَّة عليهم ، { وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ } ؛ ويعيشَ من عاشَ بعد قيامِ الحجَّة عليهم ، { وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ } ؛ بمقالَتِكم ، { عَلِيمٌ } ؛ بضمائرِكم ، يُجازيكم على قدرِ أعمَالِكم.
قرأ أهلُ مكَّة والبصرة (بالْعِدْوَةِ) بكسرِ العين ، وقرأ الباقون بضمِّها وهما لُغتان مشهورتان كالكِسْوَة والكُسْوَة والرِّشْوَة والرُّشْوَةِ ، وكذلك قَوْلُهُ تَعَالَى: { مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ } قرأ نافعُ والبزي وخلَفٌ (حَييَ) بيائين مثل (حَييَ) على الأصلِ ، وقرأ الباقون بياءٍ واحدة مشدَّدة على الإدغامِ ، ومعنى { لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ } أي ليَمُوتَ من ماتَ عن بيِّنة رآها وغيرةٍ عاينَها ، أو حجَّة قامت عليه ، وكذلكَ حَيوةُ من يحيَى لوعدهِ { وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا } [الإسراء: 15] .