قَوْلُهُ تَعَالَى: { يَا أَيُّهَآ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ آمِنُواْ بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُمْ } ؛ أي يَا أيُّهَا الَّذِيْنَ أعْطُواْ عِلْمَ التَّوْراةِ ، صدَّقوا بهذا القُرْآن الذي نَزَّلْنَا على مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم مُوافِقًا لِمَا معكُم من التوراةِ ، { مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهًا } ؛ أي مِن قَبْلِ أن نَمْحُوَ آثارًا لوجوهٍ منها: فَنَخْسِفُ بالعينِ والأنفِ وغيرَ ذلك من آثار الوجُوهِ فنحوِّلُها إلى الأَقْفِيَةِ فتمشونَ الْقَهْقَرَى.
روي: أنَّهُ لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قَدِمَ عَبْدُاللهِ بنُ سَلاَمٍ مِنَ الشَّامِ ؛ فَأَتَى رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَبْلَ أَنْ يَأتِيَ أهْلَهُ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ ؛ مَا كُنْتُ أرَى أنْ أصِلَ إلَيْكَ حَتَّى تُحَوِّلَ وَجْهِي فِي قِفَاءِ.
ويقال معنى: { فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَآ } ؛ نجعلُ وجوهَهم على هَيْأَةٍ أقْفَائِهِمْ ، ومعنى: { أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّآ أَصْحَابَ السَّبْتِ } ؛ أو نجعلهم قِرَدَةً كما مَسَخْنَا أصحابَ السبتِ ، { وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا } ؛ قضاؤُه كائِنًا لا شكَّ فيهِ ، فإن قيلَ: كَيْفَ قالَ اللهُ تعالى آمِنُوا { مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهًا } وَأَوْعَدَهُمْ بطمسِ الوُجوهِ إن لَم يؤمِنُوا ، ثُمَّ لم يؤمِنوا ، ولم يقع الطَّمْسُ ؟ قيلَ: يحتملُ أن يكون هذا وَعِيْدًا لَهم على تركِ جَمِيعهم الإسلامَ ، وقد آمَنَ منهم جماعةٌ بعدَ هذه الآية كعبدِالله بنِ سلام وعبدِالله بن ثعلبةَ وأسَيْدَ بن ثعلبة وأسَيْدَ بن عبيدٍ وغيرهم ، ويحتملُ أن يكون المرادُ بالآية: الطَّمْسُ في الآخرةِ ، وسيفعلُ اللهُ ذلك بهم.