فهرس الكتاب

الصفحة 199 من 4495

قَوْلُهُ تَعَالَى: { كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ } ؛ قال ابنُ"....": (لَمَّا كَتَبَ اللهُ الْجِهَادَ عَلَى الْمُسْلِمِيْنَ شُقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ ، وَكَرِهَتْهُ نُفُوسُهُمْ ، وَقَبلَتْهُ قُلُوبُهُمْ ، وَأحَبَّ اللهُ تَعَالَى أنْ يُطَيِّبَ نُفُوسَهُمْ بهَذِهِ الآيَةِ) .

وقيلَ في وجهِ اتصالها بما قبلَها: أنَّ ما قبلَها ذكرَ التعبُّدَ بالنفقةِ التي تَشُقُّ على البدنِ ، وفي هذه الآية ذكرَ ما لا شيءَ في التعبُّدِ أشقُّ منه وهو القتالُ. ومعنى الآية: فُرِضَ عليكم القتالُ وهو شاقٌّ عليكم ، وأرادَ بالكراهةِ كراهةَ الطبعِ لا عدمَ الرضا بالأمرِ ، وهذا كما يكرهُ الإنسانُ الصومَ بالصيف من جهةِ الطبع ، وهو مع ذلك يحبُّه ويرضاه من حيث إنَّ الله أمرهُ به.

قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ } ؛ أي لعلَّكم تكرهونَ الجهادَ وهو خير لكم لِما فيه من النصر لدينِ الله تعالى على أعداء الله ؛ والفوز بالغنيمة مع عِظَمِ المثوبة ، وإدراكِ محِلِّ الشُّهداء { وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ } أي لعلَّكم تحبُّون القعودَ عن الجهاد وهو شرٌّ لكم ، تُحرمون الفتحَ والغنيمة والشهادةَ ، ويتسلطُ عليكم العدوُّ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ } ؛ أي يعلمُ ما فيه مصلحتُكم وما هو خيرٌ في عاقبة أموركم وأنتم لا تعلمون ذلك ، فبادرُوا إلى ما أُمرتم به إذ ليس كلُّ ما تشتهون خيرًا ، ولا كل ما تحذرون شرًّا.

وفي هذه الآية دلالةٌ على فرض القتالِ كما قال تعالى: { كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَا } [البقرة: 183] وأراد به فرضَ الصيام. ثم لا يخلو القتالُ المذكور في هذه الآية من أن يرجع إلى معهودٍ قد عرفَهُ المخاطَبون وهو قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ } [البقرة: 190] وقولهُ: { وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ } [البقرة: 191] .

وتكونُ هذه الآية تأكيدًا لذلك القتلِ المعهودِ الذي عُلم حكمه ، فيكونُ القتال في هذه الآية راجعًا إلى جنسِ القتال ، فتكون هذه الآية مجملةً مفتقرةً إلى البيان ؛ لأن من المعلوم أن الله تعالى لم يأمُرْ بالقتالِ الناسَ كلهم ، فلا يصحُّ اعتقادُ العموم فيه ، فكان بيانُ هذا المجملِ بقولهِ تعالى: { قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ } [التوبة: 29] وقوله: { فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ } [التوبة: 5] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت