قوله عَزَّ وَجَلَّ: { فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ الْعِلْمِ } ؛ أي فمن خاصَمَك وجادلَكَ يا مُحَمَّدُ في أمرِ عيسى من بعدِ ما جاءَكَ من البيانِ بأنهُ عَبْدُ اللهِ ورسولُه ، ولم يكن ابنَ اللهِ ولا شريكَهُ ؛ { فَقُلْ تَعَالَوْاْ } ؛ يَا مَعْشَرَ النَّصَارَى ؛ { نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَآءَكُمْ وَنِسَآءَنَا وَنِسَآءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وأَنْفُسَكُمْ } ؛ لنخرجَ إلى فََضَاءٍ من الأرضِ ؛ { ثُمَّ نَبْتَهِلْ } ؛ أي نَلْتَعِنْ ، وَالْبُهْلَةُ: اللَّعْنَةُ ؛ يقالُ: بَهَلَهُ اللهُ ؛ أي لَعَنَهُ اللهُ وَبَاعَدَهُ. ويقال: معنى { نَبْْتَهِلْ } : نَجْتَهدُ وَنَتَضَرَّعْ في الدُّعاءِ على الكاذب. ثم فَسَّرَ الابتهالَ فقالَ تعالى: { فَنَجْعَل لَّعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ } ؛ أي نقولُ: لَعْنَةُ اللهِ عََلَى الْكَاذِبينَ في أمرِ عيسى.
قرأ الحسنُ وأبو واقدٍ وأبو السمَّال العدويُّ: (تَعَالُوا) بضمِّ اللام. وقرأ الباقونَ: (تَعَالَواْ) بفتحِ اللاَّم ، والأصلُ فيه: تَعَالَيُوا ؛ لأنهُ تَفَاعَلُوا من العُلُوِّ ، فَاسْتُثْقِلَتِ الضمَّة على الياءِ فَسُكِّنَتْ ثم حذفَتْ وبقيتِ اللامُ على فتحِها ، ومَن ضمَّ فقد نقلَ حركةَ الياء المحذوفةِ إلى اللاَّم. قال الفرَّاء: (مَعْنَى تَعَالَ: ارْتَفِعْ) .
فَلَمَّا قَرَأَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم هَذِهِ الآيَةَ عَلَى نَصَارَى نَجْرَانَ وَقَالَ لَهُمْ:"إنَّ اللهَ أمَرَنِي أنْ أبَاهِلَكُمْ إنْ لَمْ تَقْبَلُواْ"قَالُواْ لَهُ: يَا أبَا الْقَاسِمِ ؛ بَلْ نَرْجِعُ فَنَنْظُرُ فِي أمْرِنَا ثُمَّ نَأْتِيكَ فَنُعْلِمُكَ ، فَرَجَعُواْ وَخَلاَ بَعْضُهُمْ ببَعْضٍ ، وَقَالَ السَّيِّدُُ لِلْعَاقِب: قَدْ وَاللهِ عَلِمْتَ أنَّ الرَّجُلَ نَبيٌّ مُرْسَلٌ ، وَلَئِنْ لاَعَنْتُمُوهُ يَا مَعْشَرَ النَّصَارَى لَيَسْتَأصِلَنَّكُمْ ، وَمَا لاَعَنَ نَبيٌّ قَوْمًا قَطٌّ فَعَاشَ كَثِيْرُهُمْ وَلاَ ثَبَتَ صَغِيْرُهُمْ ، وَإنْ أنْتُمْ أبَيْتُمْ إلاَّ دِيْنَكُمْ فَوَاعِدُوهُ وَارْجَعُواْ إلَى بِلاَدِكُمْ. فَأَتَواْ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِنَ الْغُدُوِّ وَقَدْ خَرَجَ بنَفَرٍ مِنْ أهْلِهِ مُحْتَضِنًا الْحُسَيْنَ آخِذًا بيَدِ الْحَسَنِ ؛ وَفَاطِمَةُ تَمْشِي عَلَى إثْرِهِمْ وَعَلِيٌّ بَعْدَهَا وَهُوَ يَقُولُ لَهُمْ:"إذا أنَا دَعَوْتُ فَأَمِّنُواْ". فَقَالَ وَاحِدٌ مِنَ النَّصَارَى: وَاللهِ إنِّي لأَرَى وُجُوهًا لَوْ سَأَلُوا اللهَ أنْ يُزِيْلَ جَبَلًا مِنْ مَكَانِهِ لأَزَالَهُ ، فَلاَ تَبْتَهِلُواْ فَتَهْلَكُواْ وَلاَ يَبْقَى عَلَى الأَرْضِ نَصْرَانِيٌّ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. فَقَالُواْ: يَا أبَا الْقَاسِمِ ؛ قَدْ رَأَيْنَا أنْ لاَ نُلاَعِنَكَ وَنَتْرُكَكَ عَلَى دِيْنِكَ وَنَثْبُتَ عَلَى دِيْنِنَا ، فَقَالَ صلى الله عليه وسلم:"فَإنْ أبَيْتُمْ الْمُبَاهَلَةَ فَأَسْلِمُوا يَكُنْ لَكُمْ مَا لِلْمُسْلِمِيْنَ وَعَلَيْكُمْ مَا عَلَيْهِمْ". فَأَبَواْ ؛ فَقَالَ:"إنِّي أَنَا بذُكُمْ"فَقَالُواْ: مَا لَنَا بحَرْب الْعَرَب مِنْ طَاقَةٍ ، وَلَكِنَّا نُصَالِحُكَ عَلَى أنْ لاَ تَغْزُونَا وَلاَ تُخِيْفُنَا وَلاَ تَرُدَّنا عَنْ دِيْنِنَا ؛ عَلَى أنْ نُؤَدِّيَ إلَيْكَ كُلَّ عَامٍ ألْفَي حُلَّةٍ ؛ ألْفٌ فِي صَفَرَ وَألْفٌ فِي رَجَبَ. فَصَالَحَهُمْ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى ذلِكَ وَقَالَ لَهُمْ:"وَإنْ كَانَ كَيْدٌ باليََمَنِ أعَنْتُمُونَا بثلاَثِيْنَ دِرْعًا وَثَلاَثِيْنَ فَرَسًا وَثَلاَثِيْنَ بَعِيْرًا ، وَالْمُسْلِمُونَ ضَامِنُونَ لَهَا حَتَّى يَرُدُّوهَا عَلَيْكُمْ".
وَكَتَبَ لَهُمْ كِتَابَ الأَمَانِ وَالصُّلْحِ:"بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ ، هَذا مَا كَتَبَ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ لِنَجْرَانَ فِي كُلِّ صَفْرَاءَ وَبَيْضَاءَ وَسَوْدَاءَ أوْ رَقِيْقٍ فَاضِلًا عَنْهُمْ ؛ تُرِكَ ذلِكَ كُلُّهُ عَلَى ألْفَي حُلَّةٍ ، فِي كُلِّ صَفَرَ ألْفُ حُلَّةٍ ، وَفِي كُلِّ رَجَبَ ألْفُ حُلَّةٍ يُمْنُ كُلِّ حُلَّةٍ وَقِيَّةٌ ، وَمَا زَادَتِ الْحُلَلُ عَلَى الأَوَاقِ فَبحِسَابهَا ، وَمَا نَقُصَ مِنْ دِرْعٍ وَخَيْلٍ أوْ ركَابٍ فَبحِسَابهِ. وَعَلَيْهِمْ عَاريَةٌ ثَلاَثُونَ دِرْعًا وَثَلاَثُونَ فَرَسًا وَثَلاَثُونَ بَعِيْرًا إنْ كَانَ كَيْدًا بالْيَمَنِ ، وَلِنَجْرَانَ وَحَاشِيَتِهَا جِوَارُ اللهِ تَعَالَى وَذِمَّةُ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى أنْفُسِهِمْ وَمَالِهِمْ. وَكُلُّ مَا تَحْتَ أيْدِيْهِمْ مِنْ قَلِيْلٍ وَكَثِيْرٍ لاَ يُغَيَّرُ مَا كَانُواْ عَلَيْهِ ، وَلاَ يُغَيَّرُ أسْقُفٌ مِنْ أسْقُفِهِ ، وَلاَ رَاهِبٌ مِنْ رَهْبَانِيَّتِهِ ، وَلاَ يُحْشَرُونَ مِنْ بِلاَدِهِمْ ، وَلاَ يُعْشَرُونَ ، وَلاَ يَطََأُ أرْضَهُمْ حَبَشٌ. وَمَا سَأَلَ مِنْهُمْ حَقًّا فَلَهُ النِّصْفُ غَيْرَ ظَالِمِيْنَ وَلاَ مَظْلُومِيْنَ ، وَمَنْ أكَلَ الرِّبَا مِنْ ذِي قَبْلٍ فَذِمَّتِي مِنْهُ بَرِيَّةٌ ، لاَ يُؤْخَذُ مِنْهُمْ رَجُلٌ يَطْلُبُ آخَرَ ، لَهُمْ جِوَارُ اللهِ وَذِمَّةُ رَسٌولِهِ أبَدًا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بأَمْرِهِ مَا نَصَحُواْ وَأَصْلَحُواْ فِيْهَا عَلَيْهِمْ غَيْرَ مُثْقَلِيْنَ بظُلْمٍ".
شَهِدَ الشُّهُودُ أبُو سُلَيْمَانَ بْنِ حَرْبٍ ، وَغَيْلاَنُ بْنُ عَمْرٍو ، وَمَالِكُ بْنُ عَوْفٍ وَغَيْرُهُمْ. ثُمَّ بَعَثَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مَعَهُمْ مُعَاذ بْنَ جَبَلٍ لِيَقْضِيَ بالْحَقِّ فِيْمَا بَيْنَهُمْ ، وَرَجَعُواْ إلَى بلاَدِهِمْ. فَقَالَ صلى الله عليه وسلم:"لَوْ بَاهَلُونِي لاضْطَرَمَ الْوَادِي عَلَيْهِمْ نَارًا ، وَلَمْ يُرَ نَصْرَانِيُّ وَلاَ نَصْرَانِيَّةٌ إلَى يَوْمِ الْقَِيَامَةِ"