فهرس الكتاب

الصفحة 3312 من 4495

قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَالَّذِينَ إِذَآ أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ } ، معناهُ: الذين إذا أصابَهم البغيُ والظُّلم والعدوان هم ينتَصِرون مِمَّن ظلَمَهم ، قال عطاءُ: (يَعْنِي الْمُؤْمِنِينَ الَّّذِينَ أخْرَجَهُمُ الْكُفَّارُ مِنْ مَكَّةَ وَبَغُواْ عَلَيْهِمْ ، ثُمَّ مَكَّنَهُمُ اللهُ تَعَالَى فِي الأَرْضِ حَتَّى انْتَصَرُواْ مِمَّنْ ظَلَمَهُمْ) .

قال ابنُ زيد: (جَعَلَ اللهُ الْمُوْمِنِينَ صِنْفَيْنِ: صِنْفٌ يَعْفُونَ عَمَّنْ ظَلَمَهُمْ ، فَبَدَأ بذِكْرِهِمْ فَقَالَ: { وَإِذَا مَا غَضِبُواْ هُمْ يَغْفِرُونَ } [الشورى: 37] . وَصِنْفٌ يَنْتَصِرُونَ مِمَّنْ ظَلَمَهُمْ ، وَهُمُ الَّذِينَ ذُكِرُواْ فِي هَذِهِ الآيَةِ ، وَمَنِ انْتَصَرَ فَأَخَذ حَقَّهُ وَلَمْ يُجَاوزْ فِي ذلِكَ مَا حَدَّ اللهُ فَهُوَ مُطِيعٌ للهِ ، وَمَنْ أطَاعَ اللهَ فَهُوَ مَحْمُودٌ) .

ثم اعْلَمْ: أن أوَّلَ هذه الآيةِ يقتضي أنَّ الاقتصارَ بأخذِ الواجب من القصاصِ أو نحوه أفضلُ ؛ لأن اللهَ تعالى عطفَ هذه الآيةَ على الآيةِ التي ذكرَ فيها الاستجابةَ للهِ تعالى وإقامِ الصَّلاة.

وتكلَّمُوا في معنى ذلك ، قالَ بعضُهم: أرادَ به الانتصارَ مِمَّن فارَقَهم في دِينهم ، فأما مِن المسلمين فالانتصارُ مباحٌ ، كما قال { وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَـائِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِّن سَبِيلٍ } [الشورى: 41] والعفوُ أفضل ، كما قالَ تعالى { وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى } [البقرة: 237] ، وقال تعالى: { فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ } [الشورى: 40] .

وقال بعضُهم: إذا كان العفوُ يؤدِّي إلى الإخلالِ بشيءٍ من حُقوقِ الله مثل العفوِ عن الفاسقِ الذي لا يرتدعُ ، والعفوِ عن الباغِي الذي لا يكون مُصِرًّا على قصدهِ ، فالانتصارُ أولى من العفوِ ، وإذا كان العفوُ لا يؤدِّي إلى إسقاطِ شيءٍ من حُقوقِ الله تعالى فالعفوُ أفضَلُ كما قالَ تعالى في آيةِ القصاص { فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ } [المائدة: 45] . وفي بعضِ التَّفاسيرِ: إنما جُعِلَ الانتصارُ في أوَّلِ هذه الآياتِ أفضلَ لأنَّهم كانوا يَكرَهُونَ أن يُذلِّلُوا أنفُسَهم فَيَجْتَرِئُ عليهم الفُسَّاق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت