فهرس الكتاب

الصفحة 566 من 4495

قوله عَزَّ وَجَلَّ: { وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَآءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَآءِ الَّاتِي لاَ تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ } ؛ قال ابنُ عبَّاس: (نَزَلَتْ فِي أُمِّ كجَّةِ امْرَأةِ أوْسِ بْنِ ثَابتٍ وَبَنَاتِهَا مِنْهُ ؛ لَمَّا أمَرَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بتَوْرِيثِهِنَّ مِنْ أوْسٍ ، أقْبَلَ عُيَيْنَةُ بْنُ حُصَيْنٍ الْفَزَّاريُّ إلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ؛ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ ؛ إنَّكَ قَدْ وَرَّثْتَ النِّسَاءَ وَالْبَنَاتَ وَالصِّغَارَ ؛ وَلَمْ نَكُنْ نَحْنُ نوَرِّثُ إلاَّ مَنْ قَاتَلَ عَلَى ظُهُورِ الْخَيْلِ وَحَازَ الْغَنِيْمَةَ ، فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ) .

ويقالُ: إنَّها نزلَت بعدَ نزولِ قولهِ تعالى: { يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ } [النساء: 11] إلى قولهِ { عَلِيمًا حَكِيمًا } [النساء: 11] قَبْلَ نزولِ فَرْضِ الزَّوجاتِ ، فجاؤوا إلى رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَسْتَفْتُونَهُ في ميراثِ أُمِّ كجة امْرَأةِ الْمُتَوَفَّى ، فأنزلَ اللهًُ هذه الآيةَ ووعدَهم أن يُفْتِيْهِمْ في ميراثِ الزوجاتِ ؛ فأتَاهُمْ في ذلكَ بقولهِ تعالى: { وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ } [النساء: 12] إلى آخرِ الآيةِ.

ومعنى الآية: يَسْتَفْتُونَكَ يا مُحَمَّدُ في أمرِ النِّسَاءِ وما يجبُ لَهنَّ من الميراثِ ؛ قُلِ اللهُ يُبَيِّنُ لكم ميراثَهُن ، والذي يَقْرَأُ عليكُم في كتاب الله في أوَّلِ هذه السُّورةِ ، يُفْتِيْكُمْ ويُبَيِّنُ لكم ما سَأَلْتُم عنه في بناتِ أمِّ كجة اللاَّتِي لا تُعْطُوهُنَّ مَا فُرِضَ لَهُنَّ من الميراثِ وهو قَوْلُهُ تَعَالَى: { يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ } [النساء: 11] .

قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ } ؛ أي ترغبون عَنْ نِكَاحِهِنَّ لِدَمَامَتِهِنَّ فلا تعطوهُنَّ نصيبَهن من الميراثِ لِمَنْ يَرْغَبُ فيهنَّ غيرُكم ؛ وذلكَ أنَّ بَنِي أعْمَامِ تَلْكَ الْبَنَاتِ كَانُوا أوْلِيَاءَهُنَّ ؛ وَكَانُواْ لاَ يُعْطُونَهُنَ حَظَّهُنَ مِنَ الْمِيْرَاثِ ، وَيَرْغَبُونَ أنْ يَتَزَوَّجُوهُنَّ ، وَهذا قول ابنِ عبَّاس وابنِ جُيبر وقتادةَ ومجاهدٍ. وعن عائشةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا والحسنِ: (أنَّ مَعْنَاهُ: وَتَرْغَبُونَ فِي أنْ تَتَزَوَّجُونَهُنَّ لِجَمَالِهِنَّ وَلاَ تُعْطُوا لِهُمْ مَا أوْجَبَ اللهُ لَهُنَّ مِنَ الصَّداقِ) . وفي كِلاَ القولين دليلٌ على جوازِ نِكَاحِ الأولياءِ لليتامَى.

قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ } ؛ أي وفي (الْمُسْتَضْعَفِيْنَ مِنَ الْوِلْدَانِ) أي في مِيْرَاثِ اليتامَى. وقَوْلُهُ تَعَالَى: { وَأَن تَقُومُواْ لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ } ؛ أي وَفِي (أنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بالْقِسْطِ) في أموالِهم وحقوقهِم بالعدلِ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا } ؛ أي مَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ في أمرِ اليَتَامَى والضِّعَافِ ؛ { فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا } يَجْزِيْكُمْ على ذلكَ.

واختلفَ أهلُ النَّحوِ في موضعِ { وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ } فذهبَ أكثرُهم إلى أنهُ مَوْضِعُ رَفْعٍ ؛ تقديرهُ: وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الكتاب يُفْتِيْكُمْ. وقال بعضُهم: هو في موضعِ خَفْضٍ تقديرهُ: وَفي مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ ، إلاَّ أن هذا الوجهَ أضعفُ من الأوَّل ؛ لأنه لا يصحُّ عطفُ الظاهرِ على المضمرِ بحرفِ الجرِّ من دونِ إعادة حرفِ الجرِّ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت