فهرس الكتاب

الصفحة 2381 من 4495

قَوْلُهُ تَعَالَى: { تَبَارَكَ الَّذِي إِن شَآءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِّن ذلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَيَجْعَل لَّكَ قُصُورًا } ؛ قال ابنُ عبَّاس:"وَذلِكَ أنَّ مَلَكًا أُنْزِلَ مِنَ السَّمَاءِ ، فَقَالَ لِلنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم: إنَّ اللهِ يُخَيِّرُكَ بَيْنَ أنْ يُعْطِيْكَ خَزَائِنَ كُلِّ شَيْءٍ ، وَمَفَاتِيْحَ كُلِّ شَيْءٍ لَمْ يُعْطَهَا أحَدٌ قَبْلَكَ ، وَلَمْ يُعْطَهَا أحَدٌ بَعْدَكَ مِنْ غَيْرِ أنْ يُنْقِصَكَ شَيْئًا مِمَّا ادَّخَرَ لَكَ فِي الآخِرةِ ، وَبَيْنَ أنْ يَجْمَعَهَا لَكَ فِي الآخِرَةِ ، فَقَالَ صلى الله عليه وسلم:"بَلْ يَجْمَعُهَا لِي فِي الآخِرَةِ)"."

وَقَالَ صلى الله عليه وسلم:"خَيَّرَنِي جِبْرِيْلُ بَيْنَ أنْ أكُونَ نَبيًّا مَلِكًا وَبَيْنَ أنْ أكُونَ نَبيًّا عَبْدًا ، فَاخْتَرْتُ أنْ أكُونَ نَبيًّا عَبْدًا ؛ أشْبَعُ يَوْمًا وَأجُوعُ يَوْمًا ، أحْمَدُ اللهَ إذا شَبعْتُ ، وَأتَضَرَّعُ إلَيْهِ إذا جِعْتُ".

و"كان صلى الله عليه وسلم يَأكُلُ عَلَى الأَرْضِ ، وَيَجْلِسُ جَلْسَةَ الْعَبْدِ ، وَيَخْصِفُ النَّعْلَ ، وَيُرَقِّعُ الثَّوْبَ ، وَيَرْكَبُ الْحِمَارَ الْعَاري ، وَيُرْدِفُ خَلْفَهُ ، وَكَانَ قَدْ مَاتَ ذِكْرُ الدُّنْيَا عَنْ نَفْسِهِ ، وَيَقُولُ: (وَا عَجَبًا كُلَّ الْعَجَب لِلْمُعْتَرِفِ بدَارِ الْخُلُودِ وَهُوَ يَعْمَلُ لِدَارِ الْغُرُور) ".

ومعنى الآية: تَبَارَكَ وتعالى إنْ شاءَ يجعلُ لكَ خيرًا مما قالوهُ في الدُّنيا من جناتٍ وقصُورٍ ، وإنْ شاءَ يجعل لكَ قصُورًا في الدُّنيا ؛ أي لو شاءَ جعلَ لك أفضلَ من الكنْزِ والبستان الذي ذكَرُوا ، ويجعل لكَ جناتٍ تجري من تحتِها الأنْهارُ يعني في الدُّنيا ؛ لأنه قد شاءَ أن يعطيَهُ في الآخرةِ.

وقولهُ تعالى { وَيَجْعَل لَّكَ قُصُورًا } مَن قرأ بالجزمِ ، كان المعنى إن شاءَ جَعَلَ لكَ الجناتِ ويجعل لك قصُورًا في الدُّنيا ، لأنه قد شاءَ ، وإنَّما لَم يجعلِ الحكمةَ التي أوجبت لك. قرأ ابنُ كثير وابن عامر وعاصمُ: (وَيَجْعَلُ) بالرفعِ على الاستئناف بمعنى: وسيجعلُ لكَ قصُورًا في الجنَّةِ في الآخرةِ. والقُصُورُ: هي البيوتُ المشيَّدَةُ ، سُمِّي القَصْرُ قَصْرًا ؛ لأنه قُصِرَ ومُنِعَ مِن الوُصولِ إليه.

وعن ابنِ عبَّاس أنه قالَ:"لَمَّا عَيَّرَ الْمُشْرِكُونَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم بالْفَاقَةِ فَقَالُواْ: مَا لِهَذا الرَّسُولِ يَأَكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ ، وَيَمْشِي فِي الْمَعَاشِ ، تَعِبَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ ذلِكَ ، فَنَزَلَ جِبْرِيْلُ عليه السلام مُعَزِّيًا لَهُ: يَا رَسُولَ اللهِ ؛ رَبُّكَ يُقْرِؤُكَ السَّلاَمَ وَيَقُولُ: { وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الأَسْوَاقِ } [الفرقان: 20] لِطَلَب الْمَعَاشِ فِي الدُّنْيَا."

فَبَيْنَمَا جِبْرِيْلُ وَالنَّبيُّ صلى الله عليه وسلم يَتَحَدَّثَانِ إذْ أقْبَلَ رضْوَانُ خَازِنُ الْجِنَانِ فَسَلَّمَ عَلَى النِّبيِّ صلى الله عليه وسلم وَمَعَهُ مِنْ نُورٍ يَتَلأْلأُ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ ؛ رَبُّكَ يُقْرِؤُكَ السَّلاَمَ ، وَيَقُولُ لَكَ: هَذِهِ مَفَاتِِيْحُ خَزَائِنِ الدُّنْيَا مَعَ أنَّهُ لاَ يُنْقَصُ حَظُّكَ فِي الآخِرَةِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ ، فَنَظَرَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم إلَى جِبْرِيْلَ مُشِيْرًا ، ثُمَّ قَالَ:"يَا رضْوَانُ ؛ لاَ حَاجَةَ لِي فِيْهَا ، الْعَفْوُ أحَبُّ إلَيَّ وَأنْ أكُونَ عَبْدًا صَابرًا شَكُورًا حَامِدًا مِنَ السَّمَاءِ"فَرَفَعَ جِبْرِيْلُ رَأسَهُ ، فَإذا السَّمَوَاتُ قَدْ فُتِحَتْ أبْوَابُهَا إلَى الْعَرْشِ ، فَأَوْحَى اللهُ تَعَالَى إلَى جَنَّاتِ عَدْنٍ أنْ تُدْلِي أغْصَانَهَا ، فَإذا غُرْفَةٌ مِنْ زُبُرْجُدَةٍ خَضَرَاءَ لَهَا سَبْعُونَ ألْفَ بَابٍ مِنْ ياقُوتَةٍ حَمْرَاءَ ، فَقَالَ جِبْرِيْلُ: يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ بَصَرَكَ ، فَرَفَعَ فَرَأى مَنَازِلَ الأَنْبيَاءِ قَدْ فَصَلَ بهَا مِنْ دُونِهِمْ ، وَإذا بمُنَادٍ: أرَضِيْتَ يَا مُحَمَّدُ ؟ فَقَالَ صلى الله عليه وسلم:"قَدْ رَضِيْتُ".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت