قَوْلُهُ تَعَالَى: { إِنَّ هَـاذَا لَهُوَ الْبَلاَءُ الْمُبِينُ } ؛ أي لَهُوَ الاختيارُ البيِّنُ فيما يوجبُ النعمةَ والنقمةَ ، وأيُّ اختبارٍ أعظمُ من أن يؤمرَ الشيخُ الكبير بذبحِ الولد العزيزِ بيده. وقولهُ تعالى: { وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ } ، أي بكبشٍ عظيم ؛ أي أقَمنَا الذبحَ مقامَهُ وجعلناهُ بَدَلًا عنه.
وعن عطاءِ بن يسار قال:(لَمَّا بَلَغَ إسْمَاعِيلُ سَبْعَ سِنِينَ رَأى إبْرَاهِيمُ عليه السلام أنَّّهُ يَذْبَحُ ، فَأَخَذ بيَدِهِ وَمَضَى بهِ إلَى حَيْثُ أُمِرَ حَتَّى انْتَهَى إلَى مَنْحَرِ الْبُدْنِ الْيَوْمَ ، فَقَالَ: يَا بُنَيَّ إنَّ اللهَ أمَرَنِي بذبْحِكَ ، قَالَ إسْمَاعِيلُ: فَأَطِعْ رَبَّكَ.
فَفَعَلَ إبْرَاهِيمُ ، فَجَعَلَ يَنْحَرُهُ فِي حَلْقِهِ ، نَحَرَ فِي فَأْسٍ لَمْ تُؤَثِّرْ فِيْهِ الشَّفْرَةُ ، فَشَحَدَهَا مَرَّتَيْنِ أوْ ثَلاَثًا بالْحَجَرِ ، وَفِي كُلٍّ لاَ يَسْتَطِيعُ ، فَرَفَعَ رَأسَهُ فَإذا هُوَ بكَبْشٍ قَدْ رَعَى فِي الْجَنَّةِ أرْبَعِينَ خَرِيفًا).
قال الحسنُ بن الفضل: (مَا فُدِيَ إلاَّ بتَيْسٍ هَبَطَ عَلَيْهِ مِنْ ثَبير فَذبَحَهُ إبْرَاهِيمُ فِدَاءً عَنِ ابْنِهِ) . وَقِيْلَ: كان الفداءُ وَعْلًا من الأوْعَالِ الجبليَّة.
وأما قولهُ { بِذِبْحٍ عَظِيمٍ } قال سعيدُ بن جبير: (حَقٌّ عَلَيْهِ أنْ يَكُونَ عَظِيمًا ، وَقَدْ رَعَى فِي الْجَنَّةِ أرْبَعِينَ خَرِيفًا) . وقال مجاهد: (سُمِّيَ لأَنَّهُ مُتَقَبَّلٌ) ، وقال الحسنُ ابن الفضل: (لأَنَّهُ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللهِ تَعَالَى) ، وقال أبو بكرٍ الورَّاقُ: (لأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَنْ نَسْلٍ وَإنَّمَا كَانَ بالتَّكْوِينِ) .