فهرس الكتاب

الصفحة 1178 من 4495

قَوْلُهُ تَعَالَى: { يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُواْ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ } ؛ قال ابنُ عبَّاس:(نَزَلَتْ فِي عَبْدِاللهِ بْنِ أُبَي وَالْجَلاَّسِ بْنِ سُوَيدٍ وَعَامِرِ ابْنِ النُّعْمَانِ وَغَيْرِهِمْ ، كَانُوا خَمْسَةَ عَشَرَ رَجُلًا ، خَطَبَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ذاتَ يَوْمٍ بتَبُوكَ وَسَمَّاهُمْ رجْسًا ، فَقَالَ الْجَلاَّسُ: لَئِنْ كَانَ مَا يَقُولُ مُحَمَّدٌ حَقًّا عَلَى إخْوَانِنَا فَنَحْنُ شَرٌّ مِنَ الْحَمِيرِ ، فَسَمِعَهُ عَامِرُ بْنُ قَيْسِ ، فَقَالَ: أجَلْ وَاللهِ إنَّ مُحَمَّدًا لَصَادِقٌ وَلأَنْتُمْ شَرٌّ مِنَ الْحَمِيرِ.

فَلَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إلَى الْمَدِينَةِ أخْبَرَهُ عَامِرُ بْنُ قَيْسٍ بِمَا قَالَ الْجَلاَّسُ ، فَقَالَ الْجَلاَّسُ: يَكْذِبُ عَلَيٌّ يَا رَسُولَ اللهِ! فَأَمَرَهُمَا رَسُولُ اللهِ أنْ يَحْلِفَانِ عَلَى الْمِنْبَرِ ، فَحَلَفَا جَمِيعًا ، فَرَفَعَ عَامِرُ بْنُ قَيْسٍ يَدَهُ إلَى السَّمَاءِ ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ أنْزِلْ عَلَى نَبيِّكَ وَبَيِّنِ الصَّادِقَ ، فَقَالَ صلى الله عليه وسلم:"آمِينَ"فََأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةِ). ومعناها: يحلِفان المنافقون باللهِ ما تكلَّموا بكَلِمَةِ الكُفرِ ولقد تكلَّموا بها وأظهَرُوا الكفرَ بعدَ إظهارِهم الإسلامَ. وَقِيْلَ: كفَرُوا بقولِهم ذلك بعدَ ما كانوا أسلَمُوا على زَعمِهم.

قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَهَمُّواْ بِمَا لَمْ يَنَالُواْ } ؛ أي قصَدُوا إلى ما لم يَصِلوا إلى ذلك ، والْهَمُّ بالشَّيءِ في اللُّغَة: مقاربته دون الوقُوعِ فيه ، قِيْلَ: إنَّهم كانوا هَمُّوا بقتلِ الذي أنكرَ عليهم قولَهم. وَقِيْلَ: معنى الآية: أنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم خرجَ إلى غزوةِ بَني الْمُصْطَلِقِ ، وقد جَمَعُوا له ليُقاتِلوا ، فالتَقَوا على مائِهم فهزَمَهم اللهُ وسَبَى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أبناءَهم ونساءَهم ورجعَ ، فلما نَزَلَ مَنْزِلًا في الطريقِ اختصمَ رجلٌ من أصحاب عبدِالله بن أبَيٍّ ورجلٌ من المخلصِينَ غَفَّاري يقالُ له جَهْجَاهُ ، فلطمَ الغفاريُّ صاحبَ عبدِاللهِ بن أُبَي ، فغضبَ عبدُالله وقالَ: مَا صَحِبْنَا مُحَمَّدًا إلاَّ لِتُلْطَمَ ، ثم نظرَ إلى أصحابهِ قال: لقد أمرتُكم أن تكفُّوا طعامَكم عن هذا الرجلِ ومَن معه حتى يتفرَّقوا فلم يفعلوا ، واللهِ لئن رجَعنا إلى المدينةِ ليُخْرِجَنَّ الأعزُّ منها الأذلَّ ، فقال الغفاريُّ: أتَقُولُ مِثْلَ هَذا؟! وَاللهِ لَئِنْ شِئْتُ لأَلْطُمَنَّكَ ، قال عبدُاللهِ: سَمِّنْ كَلْبَكَ يَأْكُلْكَ! فقال زيدُ بن أرقم وكان غُلامًا حديثَ السنِّ: يَا عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّ رَسُولِهِ ، أتَقُولُ هَذا؟! وَاللهِ لأُبَلِّغَنَّ رسُولَ اللهِ مَا قُلْتَ.

ثم انطلقَ إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم وأعلمَهُ وعنده عمرُ رضي الله عنه ، فقال عمرُ: يَا رَسُولَ اللهِ مُرْ عَبَّادَ بْنَ قَشٍّ فَيَقْتُلَهُ ، فَقَالَ:"يَا عُمَرُ إذًا يُحَدُِّثُ النَّاسُ أنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أصْحَابَهُ"فبلغَ عبدَالله بن أُبَي ما قالَ زيدُ بن أرقم ، فمشَى إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم ومعه أشرافُ الأنصار يصَدِّقونه ويكذِّبون زيدًا ويقولون: يُخْشَى أنْ يَكُونَ زيْدٌ قَدْ وَهِمَ ، وكان أبنُ أُبَيٍّ يحلفُ باللهِ ما قالَ ذلك ، فقالَ أُسَيْدُ: يَا رَسُولَ اللهِ ارْفِقْ بعَبْدِاللهِ ، فَوَاللهِ لَقَدْ جَاءَ اللهُ تَعَالَى بكَ وَإنَّ قَوْمَهُ لَيُتَوِّجُونَهُ ، فَهُوَ يَرَى أنَّكَ سَلَبْتَهُ مُلْكًا عَظِيمًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت