فهرس الكتاب

الصفحة 4071 من 4495

قَوْلُهُ تَعَالَى: { قُمِ الَّيلَ إِلاَّ قَلِيلًا * نِّصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا } ؛ أي قُمْ للصَّلاةِ ؛ أي صَلِّ أكثرَ الليلِ أو قُمْ نصفَ الليلِ أو انقُصْ من النِّصفِ قليلًا ، أو انقُصْ من النصفِ ، { أَوْ زِدْ عَلَيْهِ } ؛ خيَّرَهُ اللهُ تعالى في قيام الليل في هذه السَّاعات.

قال المفسِّرون: معنى قولهِ { نِّصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا } أي انقُصْ مِن النصفِ إلى الثُّلث أو زدْ على النِّصف إلى الثُّلُثَينِ ، جعل له سِعَةً في قيامِ الليل وخيَّرَهُ في هذه السَّاعات ، قال الحسنُ: (( فَرَضَ اللهُ عَلَى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وَعَلَى أصْحَابهِ وَهُمْ بمَكَّةَ أنْ يَقُومُوا بثُلُثِ اللَّيْلِ وَمَا زَادَ ) ).

سُئِلَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا عَنْ قِيَامِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَت: (( أمَا تَقْرَأُونَ هَذِهِ السُورَةَ { ياأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ } ؟ قَالُواْ: بَلَى ، قَالَتْ: فَإنَّ اللهَ فَرَضَ قِيَامَ اللَّيْلِ فِي أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ ، فَقَامَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم حَتَّى انْتَفَخَتْ قَدَمَاهُ ، وَأمْسَكَ اللهُ خَاتِمَةَ السُّورَةِ اثْنَى عَشَرَ شَهْرًا ، ثُمَّ تَرَكَ التَّخْفِيفَ فِي آخِرِ السُّورَةِ بَعْدَ أنْ قَامَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم وَأصْحَابُهُ حَوْلًا ، فَصَارَ قِيَامُ اللَّيْلِ تَطَوُّعًا بَعْدَ ذلِكَ ) ).

وَكَانَ قِيَامُهُ فَرْضًا قَبْلَ أن فَرَضَ"اللهُ"الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ ، ولا خلافَ بين المسلمين في أنَّ قيامَ الليلِ مندوبٌ إليه مرغَّبٌ فيه ، قال صلى الله عليه وسلم:"أحَبُّ الصَّلاَةِ إلَى اللهِ تَعَالَى صَلاَةُ دَاوُدَ عليه السلام ، كَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ وَيَقُومُ ثُلُثَهُ وَيَنَامُ سُدُسَهُ. وَأحَبُّ الصِّيَامِ إلَى اللهِ تَعَالَى صِيَامُ دَاوُدَ ، كَانَ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا".

ورُوي: (أنَّ هَذِهِ الآيَاتِ لَمَّا نَزَلَتْ قَامَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم وَأصْحَابُهُ ، وَكَانَ الرَّجُلُ مِنَ الصَّحَابَةِ لاَ يَدْري مَتَى ثُلُثُ اللَّيْلِ وَمَتَى النِّصْفُ وَمَتَى الثُّلُثَانِ ، فَكَانَ يَقُومُ حَتَّى يُصْبحَ مَخَافَةَ أنْ لاَ يَحْفَظَ الْقَدْرَ الْوَاجِبَ ، حَتَّى شُقَّ عَلَيْهِمْ ذلِكَ وَانْتَفَخَتْ أقْدَامُهُمْ وَتَغَيَّرَتْ ألْوَانُهُمْ ، فَرَحِمَهُمُ اللهُ تَعَالَى وَخَفَّفَ عَنْهُمْ ، وَنُسِخَ بقَوْلِهِ { عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُمْ مَّرْضَى } [المزمل: 20] ، وَكَانَ بَيْنَ أوَّلِ السُّورَةِ وَآخِرِهَا سَنَةٌ) .

وقوله تعالى: { وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا } ؛ أي بَيِّنْهُ بَيانًا واقرَأهُ قراءةً بَيِّنَةً. والتَّرتِيلُ: ترتيبُ الحروفِ على حقِّها في تلاوَتِها بتَبيُّنٍ وتثَبُّتٍ من غيرِ عجَلَةٍ ، وكذلك التَّرَسُّلُ. والمعنى: تفَهَّم معانيَهُ ، وطالِبْ نفسكَ بالقيامِ بأحكامهِ. وأما الْحَدْرُ فهو الإسراعُ في القراءةِ ، وعن ابنِ عمرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قالِ: (كَانَتْ قِرَاءَةُ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم تَرْتِيلًا) أي تَرَسُّلًا. وقال أبو حمزةَ: (( قُلْتُ لابْنِ عَبَّاسٍ: إنِّي رَجُلٌ فِي قِرَاءَتِي وَكَلاَمِي عَجَلَةٌ ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَئِنْ أقْرَأ الْبَقَرَةَ وَأُرَتِّلْهَا أحَبَّ إلَيَّ مِنْ أنْ أقْرَأ الْقُرْآنَ كُلَّهُ هَدْرَمَةً ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت