فهرس الكتاب

الصفحة 170 من 4495

قَوْلُهُ تَعَالَى: { ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ } ؛ قال الحسنُ: (إذا سَمِعْتَ اللهَ تَعَالَى يَقُولُ: { ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ } فَارْعِ لَهَا سَمْعَكَ ، فَإنَّهَا لأَمْرٌ تُؤْمَرُ بهِ وَلَنْهْيٌ تُنْهَى عَنْهُ) . وقال جعفرُ الصَّادق: (لَذّةُ مَا فِي النِّدَاءِ إزَالَةُ تَعَب الْعِبَادَةِ وَالْعَنَاءِ) .

قَوْلُهُ تَعَالَى: { كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ } أي فُرِضَ عليكم الصيامُ ، { كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ } ، كما فُرِضَ على الذين من قبلِكم من الأنبياءِ والأُمم ، أوَّلُهم آدَمُ عليه السلام. وهو ما روي عن علي كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ أنه قال:"أتَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم ذاتَ يَوْمٍ عِنْدَ انْتِصَافِ النَّهَار ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَرَدَّ عَلَيَّ السَّلامَ ثُمَّ قَالَ: [يَا عَلِيُّ ، هَذَا جِبْرِيْلُ يُقْرِئُكَ السَّلاَمَ] قُلْتُ: وَعَليْهِ السَّلاَمُ يَا رَسُولَ اللهِ ، قَالَ: [يَا عَلِيُّ ، يَقُولُ لَكَ جِبْرِيْلُ: صُمْ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلاَثَةَ أيَّامٍ ؛ يُكْتَبُ لَكَ بأَوَّلِ يَوْمٍ عَشْرَةُ آلافِ حَسَنَةً ، وَبالْيَوْمِ الثَّانِي ثَلاَثُونَ ألْفَ حَسَنَةً ، وَبالْيَوْمِ الثَّالِثِ مِائَةُ ألْفِ حَسَنَةٍ] فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ ، ثَوَابٌ لِي خَاصَّةً أمْ لِلنَّاسِ عَامَّةً ؟ فَقَالَ: [يَا عَلِيُّ ، يُعْطِيْكَ اللهُ هَذَا الثَّوَابَ وَلِمَنْ يَعْمَلْ مِثْلَ عَمَلِكَ بَعْدَكَ] قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ ، وَمَا هِيَ ؟ قَالَ: [أيَّامُ الْبيْضِ ؛ ثَلاَثَةَ عَشَرَ وَأرْبَعَةَ عَشَرَ وَخَمْسَةَ عَشَرَ] ".

قال عَنتَرَةُ: قلتُ لعليٍّ رضي الله عنه: لأيِّ شيءٍ سُميت هذه الأيامُ البيضَ ؟ قال: [لَمَّا أهْبَطَ اللهُ آدَمَ عليه السلام مِنَ الْجَنَّةِ أحْرَقَتْهُ الشَّمْسَُ ، فَاسْوَدَّ جَسَدُهُ ، فَأَتَاهُ جِبْرِيْلُ عليه السلام ، فَقَالَ: يَا آدَمُ أتُحِبُّ أنْ تُبَيِّضَ جَسَدَكَ ، قَالَ: نَعَمْ ، قَالَ: صُمْ مِنَ الشَّهْرِ ثَلاَثَةَ عَشَرَ وَأرْبَعَةَ عَشَرَ وَخَمْسَةَ عَشَرَ. فَصَامَ آدَمُ عليه السلام أوَّلَ يَوْمٍ فَابْيَضَّ ثُلُثُ جَسَدِهِ ، وَصَامَ الْيَوْمَ الثَّانِي فَابْيَضَّ ثُلُثَاهُ ، وَصَامَ الْيَوْمَ الثَّالِثَ فَابْيَضَّ كُلُّ جَسَدِهِ ، فَسُمِّيَتْ أيَّامَ الْبيْضِ] .

قالَ المفسِّرون: فرضَ اللهُ تعالى على رسولهِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم وعلى المؤمنين صيامَ يومِ عاشُوراء وصومَ ثلاثِةِ أيَّام من كلِّ شهرٍ حين قَدِمَ المدينةَ ، فكانوا يصُومون إلى أن نزلَ صومُ شهرِ رَمصان قبل قِتَالِ بدرٍ بشَهرٍ وأيَّام.

وقال الحسنُ: (أرَادَ بالَّذِي مِنْ قَبْلِنَا النَّصَارَى ، فَشَبَّهَ صِيَامَنَا بِصِيَامِهِمْ لاتِّفَاقِهِمَا فِي الْوَقْتِ وَالْقَدْر ؛ لأَنَّ اللهَ تَعَالَى فَرَضَ عَلَى النًّصَارَى صَوْمَ شَهْرِ رَمَضَانَ ، فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ ؛ لأَنَّهُمْ رُبَّما كَانَ يَأْتِي فِي الْحَرِّ الشَّدِيْدِ ؛ وَكَانَ يََضُرُّهُمْ فِي أسْفَارهِمْ ؛ فَاجْتَمَعَ رَأيُ عُلَمَائِهِمْ وَرُؤَسَائِهِمْ عَلَى أنْ يَجْعَلُواْ صِيَامَهُمْ فِي فَصْلٍ مِنَ السَّنَةِ بَيْنَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ ، فَجَعَلُوهُ فِي الرَّبيْعِ وَزَادُواْ فِيْهِ عَشْرَةَ أيَّامٍ كَفَّارَةً لِمَا صَنَعُواْ ؛ فَصَارَ أرْبَعِيْنَ يَوْمًا) . قال مجاهدُ: (أصَابَهُمْ مَوَتَانٌ عَظِيْمٌ ؛ فَقَالوُاْ: زيْدُواْ فِي صِيَامِكُمْ ؛ فَزَادُواْ عَشْرًا قَبْلُ ، وَعَشْرًا بَعْدُ ، فَصَارَ خَمْسِيْنَ يَوْمًا) .

قَوْلُهُ تَعَالَى: { لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } ؛ أيْ لِكَيْ تَّتَّقُواْ الأَكْلَ وَالشُّرْبَ وَالْجِمَاعَ فِي زَمَانِ الصَّوْمِ. وقيل: معناه لتكونوا أتقياءَ. وأصلُ الصيام والصوم في اللغة: الإمساكُ ، يقال: صَامَتِ الريحُ إذا سكنَت ، وصامَتِ الخيلُ إذا وقفتْ وأمسكت عن السيرِ. قال النابغةُ: خَيْلٌ صِيَّامٌ وَخَيْلٌ غَيْرُ صَائِمَةٍ تَحْتَ الْعَجَاجِ وَأُخْرَى تَعْلُكُ اللُّجُمَاويقال: صَامَ النهارُ إذا اعتدلَ وقامَ قائمُ الظهيرةِ ؛ لأن الشمسَ إذا بلغت كبدَ السماءِ وقفَتْ وأمسكت عن السَّيرِ سويعةً. قال امرؤُ القيس: فَدَعْ ذا وَسَلِّ الْهَمَّ عَنْكَ بجَسْرَةِ ذمُول إذا صَامَ النَّهَارُ وَهَجَّرَاوقالَ آخرُ: حَتَّى إذا صَامَ النَّهَارُ واعْتَدَلْ وَسَالَ لِلشَّمْسِ لُعَابٌ فَنَزَلْويقالُ للرجل إذا أمسكَ عن الكلام: صامَ ، قال الله تعالى: { إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَـانِ صَوْمًا } [مريم: 26] أي صمتًا. فالصومُ: هو الإمساكُ عن المُفْطِرَاتِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت