فهرس الكتاب

الصفحة 584 من 4495

قوله عَزَّ وَجَلَّ: { إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ } ؛ أي في الطَّبَقِ الأسفلِ ؛ وهي الْهَاوِيَةُ لِمَكْرِهِمْ وخيانتهم للنبيِّ صلى الله عليه وسلم مع إبْطَانِ الكُفر ، قال أبو عُبيد: (جَهَنَّمُ أدْرَاكٌ مَنَازِلٌ ، كُلُّ مَنْزِلَةٍ مِنْهُ دَرْكٌ) . ومن قرأ (الدَّرْكِ) بإسكان الرَّاء ، وهو لغةٌ: وأكثرُ القرَّاء على فتحِها. الدَّرَكَاتُ في النّار مثلُ الدرجَاتِ في الجنَّة ، كل ما كان من درجاتِ الجنَّة أعلَى ؛ فثوابُ مَن فيه أعظمُ ، وما كان من دَرَكَاتِ النار أسفلَ ؛ فعقابُ مَن فيه أشَدُّ. وسُئل ابنُ مسعودٍ عن الدَّرْكِ الأسْفَلِ ؛ فقالَ: (هُوَ تَوَابيْتُ مِنْ حَدِيْدٍ ؛ مُبْهَمَةٌ عَلَيْهِمْ لاَ أبْوَابَ لَهَا) .

قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا } ؛ أي مانعًا يَمنع عنهُم العذابَ ، وعن عبدِالله بنِ عمرَ ؛ (أنَّ أشَدَّ النَّاسِ عَذابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثَلاَثَةٌ: الْمُنافِقُونَ ؛ وَمَنْ كَفَرَ مِنْ أصْحَاب الْمَائِدَةِ ؛ وَآلَ فِرْعُونَ) . قال اللهُ تعالى في أصحاب المائدة: { فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لاَّ أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِّنَ الْعَالَمِينَ } [المائدة: 115] وقالَ: { أَدْخِلُواْ آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ } [غافر: 115] وقالَ: { إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ } .

فإن قِيْلَ: مَا وجهُ التَّوْفِيْقِ بين هذه الآيةِ وبينَ قولهِ تعالى: { أَدْخِلُواْ آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ } [غافر: 46] ؟ قِيْلَ: لا يَمتنعُ أن يجتمعَ القومُ في موضعٍ واحد ويكون عذابُ بعضِهم أشدَّ من عذاب بعضٍ ، ألا ترَى أن البيتَ الداخلَ في الحمَّامِ يجتمعُ فيه الناس ، فيكون بعضُهم أشدَّ أذىً بالنار ؛ لكونه أدنَى إلى موضعِ الوَقُودِ. وكذلك يجتمعُ القوم في القعودِ في الشَّمس ، ويتأذى الصَّفْرَاويُّ منها أشدُّ وأكثر من تأذِي السَّوْدَاوِيِّ.

والْمُنَافِقُ فِي اللغة: مأخوذ من النَّفَقِ ؛ وهو السِّرْبُ ؛ أي استَترَ بالإسلامِ كما يَسْتَتِرُ الرجلُ بالسِّرْب. وَقِيْلَ: هو مأخوذٌ من قولِهم: نَافَقَ الْيَرْبُوعُ ؛ إذا دخل نَافِقَاءَهُ ؛ فإذا طُلِبَ من النَّافِقَاءِ خرج من النافقاء ؛ والنَّفْقَاءُ ؛ والقَاصِعَةُ ؛ والرَّاهِطَاءُ ؛ وَالدَّامَّاءُ حُجْرَةُ اليربوعِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت