وقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: { وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ } ؛ إلا أنهُ اختلفَ المفسرون في سبب نزول هذه الآيةَ ؛ فقال ابن (( عباس ) ): (نَزَلَتْ فِي عُمَرَ رضي الله عنه وَأَصْحَابهِ حِيْنَ أصَابُواْ مِنْ أهْلِيْهِمْ فِي لَيَالِي رَمَضَانَ) وستأتِي قصَّتُهم إن شاءَ اللهُ تعالى.
وروى الكلبيُّ عن أبي صالحٍ عنه قال: (قَالَ يَهُودُ الْمَدِيْنَةِ: يَا مُحَمَّدُ ، كَيْفَ يَسْمَعُ رَبُّنَا دُعَاءَنَا وَأنْتَ تَزْعُمُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ السَّمَاءِ مَسِيْرَةَ خَمْسَمِائَةِ عَامٍ ؛ وَأنَّ غِلَظََ كُلِّ سَمَاءٍ مِثْلُ ذلِكَ ؟ فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ) . وقال عطاءُ وقتادة: (لَمََّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: { ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ } [غافر: 60] قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ! كَيْفَ نَدْعُو رَبَّنَا ؟ وَمَتَى نَدْعُوهُ ؟ فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ) . وقال الضحَّاكُ: (سَأَلَ بَعْضُ الصَّحَابَةِ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم: أقَرِيْبٌ رَبُّنَا فَنُنَاجِيْهِ ، أمْ بَعِيْدٌ فَنُنَادِيْهِ ؟ فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ) .
قال أهلُ المعانِي: فيه إضمارٌ كأنه قال: فقُلْ لهم يا مُحَمَّدُ وأعلِمهم أني قريبٌ منهم بالعلم.
قَوْلُهُ تَعَالَى: { أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ } ؛ فإن قيلَ: ما وجهُ هذه الآيةِ وقوله: { ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ } [غافر: 60] وقد يدعوهُ كثيرٌ من خَلْقِهِ فلا يجيبُ دعاءه؟! قُلنا: اختلفَ العلماءُ في تأويل ذلك ، فقال بعضُهم: معنى الدعاءِ هنا الطاعة ، ومعنى الإجابةِ الثَّواب. كأنه قالَ: أُجِيْبُ دعوةَ الدَّاعي بالثواب إذا أطَاعَني.
وَقِيْلَ: معناهُ الخصوصُ ؛ وإنْ كان اللفظُ عامًّا ، أي أجيبُ دعوةَ الدَّاعي إن شئت ، وأجيبُ دعوةَ الداعي إذا وافقَ القضاء ، وأجيبُ دعوةَ الداعي إذا كانتِ الإجابةُ له خيرًا. ويدلُّ عليه ما رُوي عن أبي سعيدٍ قال: قالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:" [مَا مِنْ مُسْلِمٍ دَعَا اللهَ بدَعْوَةٍ لَيْسَ فِيْهَا قَطِيْعَةُ رَحِمٍ وَلاَ إثْمٌ إلاَ أعْطَاهُ اللهُ بهَا إحْدَى ثَلاَثِ خِصَالٍ: إمَّا أنْ يُعَجِّلَ دَعْوَتَهُ ؛ وَإمَّا أنْ يَدَّخِرَ لَهُ فِي الآخِرَةِ ؛ وإمَّا أنْ يَدْفَعَ عَنْهُ مِنَ السُّوءِ مِثْلَهَا] ، قَالُواْ: يَا رَسُولَ اللهِ إذَنْ نُكْثِرُ ؟ قَالَ: [اللهُ أكْثَرُ] ".
و (( قال ) )بعضُهم: هو عامٌّ وليس فيه أكثرَ من إجابةِ الدعوة ؛ فأما إعطاءُ الأُمنية وقضاء الحاجةِ ، فليس بمذكورِ. وقد يجيبُ السيدُ عبدَه ؛ والوالدُ ولدَه ، ولا يعطيهِ سؤالهُ ؛ فالإجابة كائنةٌ لا محالة عند حصول الدعوة ؛ لأن قوله: أُجيب وأستجيبُ هو خبرٌ ؛ والخبر لاَ يَعْتَرِضُ عليه النسخُ ؛ لأنه إذا نُسِخَ صارَ المخبرُ كذَّابًا ، فتعالى الله عن ذلك عُلُوًّا كبيرًا.
ودليلُ هذا التأويلِ ما روى ابنُ عمر: أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال:"مَنْ فُتِحَ لَهُ بَابٌ فِي الدُّعَاءِ فُتِحَتْ لَهُ أبْوَابُ الإجَابَةٍ"وَأوْحَى اللهُ إلَى دَاوُدَ عليه السلام: [قُلْ لِلظَّلَمَةِ لاَ يَدْعُونِي ، فَإنِّي أوْجَبْتُ عَلَى نَفْسِي أنْ أُجِيْبَ مَنْ دَعَانِي ؛ وَإنِّي إذًا أُجِيْبُ الظَّالِمِيْنَ لَعَنْتُهُمْ] . وَقِيْلُ: إن اللهَ تعالى يجيبُ دعاءَ المؤمن في الوقتِ ، إلا أنه يؤخرُ إعطاءَ مراده ليدعوه فيسمعَ صوته.