فهرس الكتاب

الصفحة 2525 من 4495

قَوْلُهُ تَعَالَى: { يامُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } ؛ أي أنا الدَّاعِي الذي يدعُوكَ ، أنا اللهُ العزيزُ في مُلْكِي ، الحكيمُ في أمرِي وقضائي.

فإن قيلَ: بمَاذا عَرَفَ مُوسَى ؟ قُلْنَا: إنَّما عَرَفَ نبوَّةِ نفسهِ أن ذلكَ النداءَ من اللهِ تعالى حتى جعلَ يدعُو الناسَ إلى نُبُوَّةِ نفسهِ بالمعجزة ، وذلك أنهُ رأى شجرةً أخضرَ ما يكونُ من الشَّجرِ في أنضرَ ما يكون ، لَها شعاعٌ يرتفعُ إلى السَّماء في الهواءِ ، والنارُ تلتَهِبُ في أوراقِها والأغصانِ ، فلا النارُ تُحْرِقُ الأوراقَ ولا رطوبةُ الشجرِ والأغصانِ تُطْفِىءُ النارَ ، فلما رأى ذلكَ بخلافِ العادة ، عَلِمَ أنه لا يكونُ ذلك إلاّ مِن صُنْعِ اللهِ تعالى.

قَوْلُهُ: { وَأَلْقِ عَصَاكَ } ؛ أي وَقِيْلَ لهُ: ألْقِ عَصَاكَ من يدِكَ ، فألْقَاهَا فَاهْتَزَّتْ { فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَآنٌّ } ؛ أي تضطربُ كأنَّها جَانٌّ ، والْجَانُّ: الحيَّةُ البيضاءُ الخفيفة السريعةُ ، السريع شدَّة الاضطراب يقال لها الْمِسَلَّةُ. وإنَّما شبَّهَها بالْجَانِّ في خِفَّةِ حركَتِها وسرعةِ انتشارها عن الأعيُنِ ، وشبَّهَها في موضعِ آخر بالثُّعبان لِعِظَمِهَا.

قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَلَّى مُدْبِرًا } ؛ أي أعْرَضَ موسى هَاربًا من الخوفِ من الحيَّة ، { وَلَمْ يُعَقِّبْ } أي لَم يَرْجِعْ ولَم يَلْتَفِتْ إلى شيءٍ وراءَهُ ، يقال: عَقَّبَ فلانٌ إذا رَجَعَ.

فقالَ اللهُ: { يامُوسَى لاَ تَخَفْ } ؛ مِن ضَرَرها ، { إِنِّي لاَ يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ } ؛ أي لا يخافُ عندي وفي حُكْمِي مَن أرسلتهُ ، { إِلاَّ مَن ظَلَمَ } ؛ مِن الْمُرْسَلِيْنَ بارتكاب الصغيرةِ { ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ } ، ثُمَّ تابَ مِن بعد ذلكَ ، { فَإِنِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ } ؛ به ، فكان السببُ في هذا الاستثناءِ أنَّ موسى كان مُستَشْعِرًا حقَّهُ لِمَا كان منه من قِبَلِ القبطيِّ ، فأَمَّنَهُ اللهُ بهذا الكلامِ.

والصغائرُ والكبائر من الذُّنوب تُسمَّى ظُلْمًَا ؛ ولذلكَ قال مُوسَى { إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي } [القصص: 16] . ويقالُ: إن قولَهُ { إِلاَّ مَن ظَلَمَ } استثناءٌ منقطع ، ومعناهُ: لكِنْ مَن ظَلَمَ ، فإنه يَخافُني إلاّ أن يتوبَ ويعملَ صالحًا ، فإنِّي أغفرُ له وأرْحَمهُ. والمعنى: إلاّ من ظَلَمَ نفسه بالمعصيةِ { ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا } أي توبةً ونَدَمًا { بَعْدَ سُوءٍ } عملهِ { فَإِنِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ } كأنه قالَ: لا يخافُ لديَّ المرسلونَ الأنبياءُ والتَّائبُونَ ، وقال بعضُهم: (إلاّ) ها هُنا بمعنى (ولا) كأنهُ قال: { لاَ يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ إِلاَّ مَن ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ } .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت