فهرس الكتاب

الصفحة 1440 من 4495

قَوْلُهُ تَعَالَى: { فَلَمَّا ذَهَبُواْ بِهِ وَأَجْمَعُواْ أَن يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ } ؛ أي فأرسَلَهُ معهم ، فلَمَّا ذهبوا به اتَّفَقَتْ دَوَاعِيهم أن يجعلوهُ في الْجُب ، قال السديُّ:(خَرَجُوا بهِ مِنْ عِنْدِ أبيهِمْ وَهُمْ مُكْرِمُونَ لَهُ ، فَلَمَّا صَارُواْ فِي الْبَرِّيَّةِ أظْهَرُواْ لَهُ الْعَدَاوَةَ ، فَجَعَلَ أخٌ لَهُ يَضْرِبُهُ ، فَيَسْتَغِيثُ بالآخَرِ فَيَضْرِبُهُ ، لاَ يَرَى فِيْهِمْ رَحِيمًا ، فَضَرَبُوهُ حَتَّى كَادُواْ يَقْتُلُونَهُ.

فَجَعَلَ يَصَيحُ وَيَقُولُ: يَا أبَتَاهُ لَوْ تَعْلَمُ مَا صُنِعَ بابْنِكَ ؟ فَقَالَ لَهُمْ يَهُودَا: ألَيْسَ قَدْ أعْطَيْتُمُوهُ مَوْثِقًا ألاَّ تَقْتُلُوهُ ؟ فَانْطَلَقُواْ بهِ فِي الْجُب فَدَلُّوهُ فِيْهِ ، فَتَعَلَّقَ بشَفِيرِ الْبئْرِ ، فَرَبَطُواْ يَدَيْهِ وَنَزَعُواْ قَمِيصَهُ وَقَالَ: يا إخْوَتَاهُ رُدُّواْ عَلَيَّ قَمِيصِي أتَوَارَى بهِ ، فَقَالُواْ: أُدْعُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالأَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا يُلْبسُوكَ وَيُؤْنِسُوكَ ، فَدَلّوهُ حَتَّى إذا بَلَغَ نِصْفَ الْبِئْرِ ألْقَوْهُ وَأرَادُواْ أنْ يَمُوتَ ، وَكَانَ فِي الْبئْرِ مَاءٌ فَسَقَطَ فِيْهِ ، وَآوَى إلَى صَخْرَةٍ فَقَامَ عَلَيْهَا وَجَعَلَ يَبْكِي ، فَنَادَوا فَظَنَّ أنَّ الرَّحْمَةَ أدْرَكَتْهُمْ فَأَجَابَهُمْ ، فَأَرَادُوا أنْ يَرْضُخُوهُ بالْحِجَارَةِ لِيَقْتُلُوهُ فَمَنَعَهُمْ يَهُودَا ، وَكَانَ يَهُودَا يَأْتِيهِ بالطَّعَامِ).

قَوْلُهُ تَعَالَى { وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَـاذَا } ؛ قال المفسِّرون: أوحَى اللهُ إلى يوسفَ في البئرِ تَقْويَةً لقلبهِ: لَتَصْدُقَنَّ رُؤْيَاكَ ، وَلَتُخْبرَنَّ إخْوَتَكَ بصُنْعِهِمْ هَذا بَعْدَ الْيَوْمِ ، { وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ } ؛ بأنَّ يوسفَ في وقتِ إخباركَ إيَّاهم بأمرِهم ، وكان فيما أُوحي إليه: أنِ اصبر على ما أصابَكَ واكْتُمْ حالَكَ ، فإنَّكَ تُخبرُهم بما فَعَلُوا بكَ.

وعن ابنِ عبَّاس: قال: (كَانَ يَوْمَئِذٍ ابْنَ سَبْعَ عَشْرَةِ سَنَةً وَبَقِيَ فِي الْجُب ثَلاَثَةَ أيَّامٍ) . وفي بعضِ الروايات: أنه لَمَّا أُلقِيَ في الْجُب جعلَ يقول: يا شاهدًا غيرَ غائبٍ ، ويا قريبًا غيرَ بعيدٍ ، ويا غالبًا غيرَ مغلوبٍ: اجعَلْ لي من أمْرِي فَرَجًا ومَخرجًا ، فأوحَى اللهُ إليه وهو في البئرِ: اصبرْ على ما أصابَكَ واكْتُمْ حالكَ ، فإنَّكَ تخبرُ إخوانَكَ في وقتٍ عن ما فعَلُوا بكَ في وقتِ إخباركَ إيَّاهم بأمرِهم.

ثم عَمَدوا إلى سَخْلَةٍ فذبَحوها ، وجعلوا دَمَها على قميصِ يوسف ، { وَجَآءُوا أَبَاهُمْ عِشَآءً يَبْكُونَ } ؛ أي يتَبَاكون ، { قَالُواْ يَاأَبَانَآ إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ } أي نتسابقُ في الرَّمي ، وَقِيْلَ: نُسابَقُ في الاصطيادِ ، { وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَاعِنَا } ؛ ليحفظَهُ ، { فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَآ أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا } ؛ أي بمُصدِّقٍ لنا في أمرِ يوسف لفَرطِ محبَّتِكَ له وتُهمَتِكَ إيانا فيه ، { وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ } ؛ محل الصدقِ عندكَ في غير هذا الحديثِ.

ثم أرَوهُ قميصَهُ ملطَّخًا بالدمِ ، فذلكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَجَآءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ } ؛ أي بدَمٍ كذبٍ ، فلمَّا نظرَ يعقوبَ إلى القميصِ قال: ما عهدتُ ذِئْبًا حَلِيمًا مثلَ هذا الذئب! فَكَيْفَ أكلَ لحمه ولم يخرِّقْ قميصَهُ؟! ولو أنَّهم كانوا مزَّقُوا قميصَهُ حين لطَّخوهُ بالدم ، كان ذلك أبعدَ عن التُّهمةِ عنهم ، ولكن لا بدَّ في المعاصِي أن يقترنَ بها الحزنان ، { قَالَ } ؛ يعقوبُ: كَذبْتُمْ ، { بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا } أي زيَّنت لكم أنفسُكم في هلاكِ يوسف فضيَّعتموهُ ، يقالُ: إن يعقوب كما قال لَهم: لو أكلَهُ الذئبُ فشَقَّ قميصَهُ! قالوا: لو قتَلهُ اللصوصُ لَمَا ترَكُوا قميصَهُ ، هل يريدون إلا الثيابَ والمتاعَ ، فَسَكَتوا متحيِّرين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت