قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ } ؛ أي إقرَأ عليهم خبرَ نوحٍ ، { إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ ياقَوْمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ } ؛ ثَقُلَ عليكم وعَظُمَ ، { مَّقَامِي } ؛ ومُكثِي فيكم ، { وَتَذْكِيرِي } ؛ وعِظَتي لكم { بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ } ؛ به وَثِقْتُ وإليه فوَّضتُ أمْرِي ، وذلك حين قالُوا له: { قَالُواْ لَئِنْ لَّمْ تَنْتَهِ يانُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ } [الشعراء: 116] .
قَوْلُهُ تَعَالَى: { فَأَجْمِعُواْ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَآءَكُمْ } ؛ أي اعِزمُوا علكى أمرِكم مع شركائِكم. وَقِيلَ: معناهُ: فاعِزمُوا على أمرِكم ، وادعُوا لآلهتِكم واستَعِينوا بهم ، وأجْمِعُوا على أمرٍ واحد. ومَن قرأ (فاجْمَعُواْ) بنصب الميم فهو من الْجَمْعِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: { ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً } ؛ أي يكُن أمرُكم عليكم ظاهِرًا مُنكَشفًا لا يسترهُ شيء. والغُمَّةُ مأخوذةٌ من الغَمامَةِ ، ويقالُ الغَمُّ ؛ أي لا يكون أمرُكم غَمًّا عليكم وفرِّجوا عن أنفسكم ، { ثُمَّ اقْضُواْ إِلَيَّ وَلاَ تُنظِرُونَ } ؛ أي امْضُوا بما تقصِدُون من القتلِ ولا تُمهَلون.
قال الزجَّاجُ: (الْوَاوُ فِي قَوْلِهِ { وَشُرَكَآءَكُمْ } بمَعْنَى مَعَ) والمعنى فاجْمِعوا أمرَكم مع شركائِكم ثم لا يكون أمرُكم عليكم مبهمًا ، يعني ليكن أمركم ظاهرًا منكشفًا لا تسترون معاداتي ، ثُمَّ امضُوا إلَيَّ بمكرُوهِكم وما توعدونني به. معنى قضاءِ الشيء امضاؤهُ والفراغُ منه ، وهذا أحدُ معجزاتِ نوحٍ عليه السلام ؛ لأنه كان وَحيدًا ، وقد قَرَعَهم بالعجزِ عن الوصولِ اليه وإلى قتلهِ ، فلم يقدِرُوا عليه بسُوءٍ.