فهرس الكتاب

الصفحة 1082 من 4495

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: { وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لاَ غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ } ؛ أي واذْكرُوا إذ زَيَّنَ لَهم الشيطانُ أعمالَهم يومَ بدرٍ ، وقالَِ: لاَ غَالِبَ لكم اليومَ مِن أحدٍ من الناس فمنَعْتُكُم وكثَّرْتُكم وإنِّي دافعٌ عنكم الشرَّ ، { فَلَمَّا تَرَآءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ } ؛ أي لَمَّا توافَقَتا رجعَ الشيطانُ القَهْقرَى على عَقِبَيهِ هَاربًا خَوْفًا مما رأى ، { وَقَالَ } ؛ للمشركين: { إِنِّي بَرِيءٌ مِّنْكُمْ إِنَّي أَرَى مَا } ؛ أي الملائكةَ تَنْزِلُ من السَّماء وأنتم ، { لاَ تَرَوْنَ } ؛ وكان يعرفُ الملائكةَ ويعرفونَهُ.

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: { إِنَّي أَخَافُ اللَّهَ } ؛ أي أخافهُ أنْ يُصيبَني معَكم بعذابهِ ، { وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ } ؛ لِمَنِ استحقَّهُ ، قال مقاتلُ: (كَذبَ عَدُوُّ اللهِ ، مَا كَانَ بهِ مِنْ خَوْفٍ مِنَ اللهِ ، فَإنَّ اللهَ قَدْ أنْظَرَهُ إلَى الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ ، وَلَكِنَّهُ خَذلَهُمْ عِنْدَ الشِّدَّةِ) . ويقالُ: ظنَّ إبليسُ أن الوقتَ الذي أنظرَهُ الله قد حضرَ.

وعن ابنِ عبِّاس:(أنَّ أهْلَ مَكَّةَ لَمَّا وَجَدُواْ الْعِيرَ أرَادُوا الرُّجُوعَ ، فَتَمَثَّلَ لَهُمْ إبْلِيسُ فِي صُورَةِ رَجُلٍ يُقَالُ لَهُ: سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكِ بْنِ جَعْنَمِ مِنْ بَنِي كِنَانَةَ ، فَقَالَ: لاَ تَرْجِعُواْ حَتَّى تَسْتَأْصِلُوهُمْ ، فإِنَّكُمْ كَثيرٌ وَهُمْ قَلِيلٌ ، وَلاَ غَالِبَ لَكُمْ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ ، وَإنِّي مُعِينٌ لَكُمْ مِنْ بَنِي كِنَانَةَ ، فلاَ تَمُرُّونَ بأحَدِ مِنْ بَنِي كِنَانَةَ إلاَّ سَارَ مَعَكُمْ ، فَإنَّهُمْ لاَ يُخَالِفُونَنِي.

فَسَارُواْ وَسَارَ إبْلِيسُ مَعَهُمْ ، وَلَمْ يَخْرُجْ أحَدُ مِنْ بَنِي كِنَانَةَ ، فَجَعَلُواْ يَقُولُونَ: يَا سُرَاقَةُ أيْنَ مَا ضَمَمْتَ لَنَا ؟ فَيَقُولُ: مُرُونِي ، حَتَّى قِدِمُوا بَدْرًا ، فَلَمَّا كَأنَ عِنْدَ الْقِتَالِ رَأى إبْليسُ جِبْرِيلَ فَنَكَصَ عَلَى عَقِبيْهِ رَاجِعًا ، وََقَالَ الْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ: يَا سُرَاقَةُ أيْنَ تَذْهَبُ ؟ فَقَالَ: إنِّي أرَى مَا لاَ تَرَوْنَ ، فَقَالَ الْحَارثُ: وَمَا تَرَى إلاَّ جَعَاشِيشَ أهْلَ يَثْرِبَ ؟ - وَالْجُعْشُوشُ: الرَّجُلُ الْقَصِِيرُ - فَلَمَّا رَأى الْحَارثُ إبْلِيسَ يَنْطَلِقُ ، أهْوَى بهِ لِيَأْخُذهُ ، فَدَفَعَهُ إبْلِيسُ فَرَمَى بهِ ، ثمَّ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وقَالَ: - إني - أخَافُ اللهَ ، وَاللهُ شَدِيدُ الْعِقَاب.

فَلَمَّا انْهَزَمَ الْمُشْرِكُونَ جَعَلُوا يَقُولُونَ: هَزَمَ النَّاسَ سُرَاقَةُ ، فَبَلَغَ ذلِكَ سُرَاقَةُ فَقَدِمَ عَلَيْهِمْ فَقَالَ: بَلَغَنِي أنَّكُمْ تَقُولُونَ أنِّي هَزَمْتُ النَّاسَ! وَالَّذِي نَحْلِفُ بهِ مَا بَلَغَنِي مَا تَقُولُونَ وَلاَ سَمِعْتُ بمَسِيرِكُمْ حَتَّى بَلَغَنِي هَزِيْمَتُكُمْ ، فَجَعَلُواْ يَقُولُونَ لَهُ: أمَا أتَيْتَنَا يَوْمَ كَذا وَكَذا ؟ وَهُوَ يَقُولُ: لاَ ؛ وَالَّذي نَحْلُِ بهِ مَا كَانَ مِنْ ذا قَلِيلٍ وَلاَ كَثِيرٍ. فَلَمَّا أسْلَمُواْ عَرَفُوا أنَّهُ إنَّما كَانَ مِنَ الشَّيْطَانِ).

فإنْ قِيْلَ: كيفَ يجوزُ أن يتمكَّن إبليسُ مِنْ أن يخلعَ صورةَ نفسِهِ ويلبسَ صورةَ سُراقة ؟ ولو كان قادِرًا على أن يجعلَ نَفسَهُ صورةَ إنسانٍ كان قادرًا على أن يجعلَ غيرَهُ إنسَانًا ؟ قِيْلَ: إذا صَحَّتْ هذه الروايةُ ، فالجوابُ: أن اللهَ خَلَقَ إبليسَ في صُورةِ سُراقة ، واللهُ تعالى قادرٌ على خلقٍ إنسان في مثلِ صورة سُراقة ابتداءً ، فكان قادرًا على أن يُصوِّر إبليسَ في مثل صورةِ سُراقة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت