قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ } ؛ إخبارٌ عن قُدرتهِ وسِعَةِ مُلكهِ ، ليَجزِيَ في الآخرةِ المحسنَ والمسيءَ ، معناهُ: { لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُواْ } ؛ أي أشرَكُوا ، { بِمَا عَمِلُواْ } ؛ من الشِّركِ ، { وَيِجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُواْ } ؛ أي وحَّدُوا ربَّهم ، { بِالْحُسْنَى } ؛ أي بالجنَّة.
ثم نعتَهم فقال: { الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ } ؛ فكبائرُ الإثمِ وهو كلُّ ذنبٍ خُتِمَ بالنار ، والفواحشُ ، كلُّ ذنبٍ فيه حَدٌّ. قَوْلُهُ تَعَالَى: { إِلاَّ اللَّمَمَ } ؛ هذا استثناءٌ منقطعُ ليس الكبائرَ والفواحشَ.
وقال ابنُ عبَّاس: (أشْبَهُ شَيْءٍ باللَّمَمِ مَا قَالَهُ أبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم: أنَّهُ قَالَ:"إنَّ اللهَ كَتَبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ حَظَّهُ مِنَ الزِّنَى ، وَهُوَ الله يُدْركُ ذلِكَ لاَ مَحَالَةَ ، فَزِنَى الْعَيْنَيْنِ النَّظَرُ ، وَزَنَى اللّسَانِ النُّطْقُ ، وَزنَى الشَّفَتَيْنِ التَّقْبيلُ ، وَزنَى الْيَدَيْنِ الْبَطْشُ ، وَزنَى الرِّجْلَيْنِ الْمَشْيُ ، وَالنَّفْسُ تَتَمَنَّى وَتَشْتَهِي ، وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذلِكَ كُلَّهُ أوْ يُكَذِّبُهُ ، فَإنْ تَقَدَّمَ بفَرْجِهِ كَانَ زَانِيًا وَإلاَّ فَهُوَ اللَّمَمُ") .
وفي هذا دليلٌ أن الأشياءَ إذا وُجدت على التعمُّدِ لم تكن مِن اللَّمَمِ ، واللَّمَمُ ما يكون من الفلتات النادرةِ التي لا يملِكُها ابنُ آدمَ من نفسهِ ؛ لأنَّ الأُمَّة اجتمعَتْ على أنَّ مُتَعَمِّدَ النظرِ إلى ما لا يحلُّ فاسقٌ.
واللَّمَمُ في اللغة: هو مُقَارَبَةُ الشَّيءِ من غيرِ دُخولٍ فيه ، يقالُ: ألَمَّ بالشَّيءِ يَلِمُّ إلْمَامًا إذا قاربَهُ. وعن هذا يقالُ: صغائرُ الذُّنوب كالنَّظرة والقُبلَةِ والغَمزَةِ ، وما كان دُون الزِّنى ، وقال ابنُ عبَّاسَ:"اللَّمَمُ: النَّظْرَةُ مِنْ غَيْرِ تَعَمُّدٍ وَهُوَ مَغْفُورٌ ، فَإنْ أعَادَ النَّظَرَ فَلَيْسَ بلَمَمٍ وَهُوَ الذنْبُ)."
قَوْلُهُ تَعَالَى: { إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ } ؛ أي إنَّ رحمةَ ربكَ تسَعُ جميعَ الذُّنوب ، { هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُمْ مِّنَ الأَرْضِ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ } معناهُ: هو أعلمُ بكم مِن أنفُسِكم إذ خلق أبَاكُم آدمُ من الترابٍ. والجنينُ: ما كنتم صِغَارًا في أرحامِ أُمَّهاتِكم عَلِمَ عند ذلك ما يستَحصِلُ منكم ، والأَجِنَّةُ: جمعُ جَنِينٍ ، والمعنى: عَلِمَ اللهُ مِن كلِّ نفسٍ ما هي صَانِعَةٌ ، وإلى ما هي صائرةٌ ، { فَلاَ تُزَكُّواْ أَنفُسَكُمْ } ؛ بما ليسَ فيها ولا تُبَرِّؤُونَها من العيُوب التي فيها.
وَقِيْلَ: معناهُ: لا تُزَكُّوا أنفُسَكم بما عَمِلتم ، لا يقولَنَّ رجلٌ: عملتُ كذا ، وتصدَّقتُ بكذا ؛ ليكون أبلغَ بالخضُوعِ وأبعدَ من الرِّياء. وَقِيْلَ: معناهُ: لا تُبَرِّؤُا أنفُسَكم من الآثامِ وتَمدَحُونَها بحُسنِ عملِها ، { هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى } ؛ الشِّركَ وآمَنَ وأطاعَ وأخلصَ العملَ.