قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: { وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُم } ؛ أي اقتلُوا الذينَ يبدأُونَكم بالقتالِ من أهلِ مكَّةَ حيث وجدتُّمُوهم ؛ { وَأَخْرِجُوهُمْ مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ } ؛ أي كما أخرَجُوكم من مكَّةَ ؛ قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ } ؛ أي والشِّركِ الذي هم فيه أعظَمُ ذنبًا مِن قتلِكم إياهم في الْحَرَمِ والأشهر الْحُرُم والإحرامِ. هكذا قالَ عامة المفسرين. وقال الكسائيُّ: (الْفِتْنَةُ هَا هُنَا الْعَذَابُ) وَكَانُواْ يُعَذِّبُونَ مَنْ أسْلَمَ.
قًوْلُهُ تَعَالَى: { وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ } ؛ أي إذا بدأوكم في غيرِ الحرم ، ثم لجأوا إلى الحرمِ فكُفوا عن قتالهم ولا تقاتلوهم في الحرمِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيْهِ. فإن بدأوكم بالقتالِ في الحرم فاقتلوهم فيه ، { كَذَلِكَ جَزَآءُ الْكَافِرِينَ } .
قرأ عيسى بن عمر وطلحة بن مصرِّف ويحيى بن وثَّاب والأعمشُ وحمزة والكسائي: (وَلاَ تَقْتُلُوهُمْ) بغير ألِفٍ من القتل على معنى ولا تقتلُوا بعضَهم. تقول العربُ: قتلنا بني تَميم ؛ وإنَّما قتَلُوا بعضَهم. وقرأ الباقون كلها بالألِفِ من القتالِ.
واختلفوا في حُكمِ هذه الآيةِ ؛ فقال بعضُهم: هي منسوخةٌ ؛ نُهُوا عن الابتداء بالقتالِ ، ثُم نُسِخَ ذلك بقَوْلِهِ تَعَالَى: { وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ } [البقرة: 193] ، وهذا قولُ قُتَادةَ والربيع. وقال مقاتلُ: { وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُم } أيْ حَيْثُ أدْرَكْتُمُوهُمْ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ. لَما نزلت هذه الآية نَسَخَها قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ } ثًُمَّ نَسَخَتْهَا آيةُ السيفِ التي في براءَةَ ، فهي ناسخةٌ منسوخةٌ).
وقال آخرون: هذه آيةٌ مُحْكَمةٌ ؛ ولا يجوزُ الابتداءُ في القتال في الحرمِ. وهو قولُ مجاهدٍ وأكثرِ المفسرين. وسُمِّيَ الكفرُ فتنةً ؛ لأنه يؤدي إلى الهلاك كما أن الفتنةَ تؤدي إلى الهلاكِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: { فَإِنِ انتَهَوْاْ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } ؛ أي فإن انتهوا عن القتال والكفرِ فإن اللهَ { غَفُورٌ } لِما مضَى من جَهْلِهم ولِما سلَفَ من كُفرِهم ، { رَحِيْمٌ } بهم بعد تَوبَتِهم وإسلامِهم.