قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ } ؛ قال ابنُ عبَّاس وجماعةٌ من المفسِّرين: (مَعْنَاهُ: إذا أرَدْتُمُ الْقِيَامَ إلَى الصَّلاَةِ ، وَإنَّمَا أضْمَرُواْ إرَادَةَ الْقِيَامِ ؛ لأنَّ صِحَّةَ قِيَامِ الصَّلاَةِ بالطَّهَارَةِ فَلاَ يَصُحُّ جُزْءٌ مِنَ الْقِيامِ قَبْلَ تَقَدُّمِ الطَّهَارَةِ) .
وظاهرُ الآية يقتضي أنَّ القيامَ إلى الصلاةِ يكون سَبَبًا لوجوب الطَّهارةِ ، ولا خلافَ بين السَّلَفِ والْخَلَفِ أنَّ الطهارةَ لا تجبُ سبب القيام إلى الصَّلاةِ ، إلاّ أنه رُويَ عن ابن عُمَرَ وَعليٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: (أنَّهُمَا كَانَا يَتَوَضَّأَنِ عِنْدَ كُلِّ صَلاَةٍ ، وََيَقْرَآنِ هِذِهِ الآيَةَ) . فيحتمل أنَّهما كانا يفعلان ذلك نَدْبًا واستحبابًا ، فإنْ تَجيدَ الطَّهارةِ لكلِّ صلاةٍ مستحبٌّ. وقد روي عن رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أنهُ قالَ:"مَنْ تَوَضَّأَ فَهُوَ عَلَى وُضُوءٍ مَا لَمْ يُحْدِثْ"وَقَالَ:"لاَ وُضُوءَ إلاَّ مِنْ حَدَثٍ"فَثَبَتَ أن في الآيةِ إضمارٌ آخر تقديرهُ: أذا أرَدْتُمْ القيامَ إلى الصلاةِ وأنتم مُحْدِثُونَ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ ، وهذا نظيرُ قولهِ تعالى: { فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ } [البقرة: 184] معناه: فَأَفْطَرَ فَعَلَيْهِ عدَّةٌ مِن أيَّامٍ أخُرَ ، وقولهُ: { فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ } [البقرة: 196] معناه فَحَلَقَ فَعَلَيْهِ فِدْيَةٌ. وقال بعضُهم: معنى الآيةِ: إذاَ قُمْتُمْ من نَوْمِكُمْ إلى الصَّلاةِ ، وقال: هذا على أنَّ النومَ في حالةِ الاضطجاع حَدَثٌ.
قولُهُ تَعَالَى: { فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ } الغَسْلُ: إجْرَاءُ الْمَاءِ عَلَى المَحَلِّ وَتَسْييْلُهُ ، سَوَاءٌ وُجِدَ مَعَهُ الدَّلْكُ أمْ لاَ ، وَالْوَجْهُ: مَا يُوَاجِهُكَ مِنَ الإنْسَانِ ، وَحَدُّهُ مِن قِصَاصِ الشَّعْرِ إلى أسفلِ الذقْنِ ، ومِن شَحْمَتَي الأُذُنِ إلى شَحْمَتَي الأُذُنِ. وظاهرُ الآيةِ يقتضي أنَّ المضمضةَ والاستنشاقَ غيرُ واجبتينِ في الوضوءِ ، لأن اسمَ الوجهِ يتناولُ الظاهرَ دون الباطنِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ } أي مع المرافقِ ، هكذا قال علماؤُنا رَحِمَهُمُ اللهُ تَعَالَى ، إلاّ زُفَرَ رَحِمَهُ اللهُ ؛ فإنهُ ذهبَ إلى ظاهرِ الآية وقال: (إنَّ حَرْفَ(إلَى) لِلْغَايَةِ ، وَالْغَاَيَةُ لاَ تَدْخُلُ فِي الْحُكْمِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى { ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ } [البقرة: 187] ). وأمَّا عامَّةُ العلماءِ فقالوا: إنَّ (إلى) تُذْكَرُ بمعنى (مَعَ) كما قالَ تعالى { وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ } [النساء: 2] ، فاذا احتملَ اللفظُ الغايةَ واحتملَ معنى المقارنةِ حَلَّ مَحَلَّ الْمُجْمَلِ ، فَكَانَ مَوْقُوفًا عَلَى بَيَانِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم. وقد روي:"أنَّهُ كَانَ إذا تَوَضَّأَ أدَارَ الْمَاءَ عَلَى مِرْفَقَيْهِ"، فصار فعلهُ بيانًا للمجملِ ، فحُمِلَ على الوُجُوب.
قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ } اختلفَ العلماءُ في مقدار وجوب الْمَسْحِ منه ، فذهبَ مالكٌ إلى أنَّ مسحَ جميعِ الرأسِ واجبٌ ، وقال: (ظَاهِرُ الآيَةِ يَقْتَضِي الْجَمِيْعَ دُونَ الْبَعْضِ ، لأنَّكَ إذا قُلْتَ: مَرَرْتُ بزيدٍ ؛ أردتَ جُمْلَتَهُ لاَ بَعْضَهُ ، وَمِثْلُ ذلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: