فهرس الكتاب

الصفحة 330 من 4495

قوله عَزَّ وَجَلَّ: { وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَآئِمًا } ؛ فِي الآية دليلٌ وبيان أنَّ أهلَ الكتاب فيهم أمانةٌ وفيهم خِيَانَةٌ ، فمنهم مَن إنْ تَأمَنْهُ تُبَايعْهُ بِملْءِ مِشْكِ ثورٍ تُؤَدِّهِ ذهَبًا ، يُؤَدِّهِ إليكَ بلا عناءٍ ولا تعب ، وَمِنْهُمْ مَنْ إنْ تَأْمَنْهُ بِدِيْنَارٍ لاَ يُؤَدِّهِ إلَيْكَ إلاّ بعد عَناء وتعبٍ. وقال الضحَّاك: (هُوَ فِنْحَاصُ بْنُ عَازُورَاء الْيَهُودِيّ ؛ أوْدَعَهُ رَجُلٌ دِيْنَارًا فَخَانَهُ) . والقِنْطَارُ عبارةٌ عن المالِ الكثير ، والدِّيْنَارُ عبارةٌ عن المال القليلِ.

وقال الضحَّاك عنِ ابن عبَّاس: (مَعْنَى الآيَةِ: وَمِنْ أهْلِ الْكِتَاب مَنْ إنْ تَأَمَنْهُ بقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إلَيْكَ ؛ وَهُوَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلاَمٍ ؛ أوْدَعَهُ رَجُلٌ ألْفًا وَمِائَتَي أوْقِيَّةٍ مِنْ ذهَبٍ فَأَدَّاهُ إلَيْهِ ؛ فَمَدَحَهُ اللهُ تَعَالَى ، وَمِنْهُمْ مَنْ إنْ تَأْمَنْهُ بِدِيْنَارٍ لاَ يُؤَدِّهِ إلَيْكَ ؛ وَهُوَ فِنْحَاصُ ابْْنُ عَازُورَاء الْيَهُودِيُّ ؛ أوْدَعَهُ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ دِيْنَارًا فَخَانَهُ) . وفي بعضِ التفاسير: أنَّ الذي يؤدِّي الأمانةَ في هذهِ الآية هم النَّصَارَى ؛ والذينَ لا يؤدُّونَها هم اليهودُ.

قرأ الأشهبُ العقيلي (تِيْمَنْهُ بقِنْطَارٍ) بكسرِ التَّاء وهي لغةُ بكرٍ وتَميم ، وفي حرفِ ابن مسعودٍ: (مَا لَكَ لاَ تِيْمَنَّا) ، وقراءةُ العامَّة (تَأْمَنْهُ) بالألِف.

وقَوْلُهُ تَعَالَى { يُؤَدِّهِ } فيه خمسُ قِراءَات ، فقرأها كلَّها أبو عمرٍو وعاصمُ والأعمش وحمزةُ سَاكِنَةَ الْهَاءِ ، وقرأ أبو جعفرٍ ويعقوبَ مُخْتَلَسَةً مكسورةً مشبَعةً ، وقرأ سلامُ مَضْمُومَةً مُخْتَلَسَةً ، وقرأ الزهريُّ مضمومةً مُشبعةً ، وقرأ الآخرونَ مكسورةً مشبعةً.

قَوْلُهُ تَعَالَى: { إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَآئِمًا } قرأ الأعمشُ ويحيى بن وثَّاب وطلحةُ بكسرِ الدَّال ، ومعنى الآيةِ: { إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَآئِمًا } أي مُلِحًّا ، كذا قالَ ابنُ عباس ، وقال مجاهدُ: (إلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا) مُلاَزمًا. وقال ابنُ جُبير: (مُرَابطًا) . وقال الضحَّاك: (مُوَاظِبًا) . وقال قتادةُ: (مَعْنَاهُ: إلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا: بقَبْضِهِ) . وقال السديُّ: (قَائِمًا عَلَى رَأسِهِ ، فَإنْ سَأَلْتَهُ إيَّاهُ حِيْنَ دَفَعْتَهُ إلَيْهِ رَدَّهُ عَلَيْكَ ، وَإنْ أخَّرْتَهُ أنْكَرَ) . وذهبَ به ذلك إلى الاستحلالِ والخيانةِ ، { ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ } ؛ أي فإنَّهم قالوا: { لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ } ؛ أي وقال العربُ نظيرُه قَوْلُهُ تَعَالَى: { هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ } [الجمعة: 2] . والسبيلُ هو الإثْمُ والحرجُ ؛ دليلهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: { مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ } [التوبة: 91] وذلكَ أنَّ اليهودَ قالُوا: لاَ حرجَ علينا في حبسِ أموالِ العرب قد أحلَّها اللهُ لنا ؛ لأنَّهم ليسوا على دِيننا ، وكانوا يستحِلُّون ظُلْمَ مَن خالَفَهم في دينهم.

وقال الكلبيُّ: (قَالَتِ الْيَهُودُ: إنَّ الأَمْوَالَ كُلَّهَا لَنَا ؛ وَمَا كَانَ فِي أيْدِي الْعَرَب مِنْهَا فَهُوَ لَنَا ، وَإنَّمَا ظَلَمُونَا وَغَصَبُونَا عَلَيْهَا وَلاَ سَبيلَ عَلَيْنَا فِي أخْذِنَا إيَّاهَا مِنْهُمْ) . فَأَكْذبَهُمْ اللهُ بقَوْلِهِ: { وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ } ؛ فلمَّا نزلَتْ هذه الآيةُ قَالَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم:"كَذبَ أعْدَاءُ اللهِ ، مَا مِنْ شَيْءٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ إلاَّ وَهُوَ تَحْتَ قَدَمِي إلاَّ الأمَانَةُ ؛ فَإنَّهَا مُؤَدَّاةٌ إلَى الْبَرِّ وَالْفَاجِرِ"

قَوْلُهُ تَعَالَى: { ذلِكَ بأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأمِّيِّينَ سَبيلٌ } أي ذلك الاستحلالُ والخيانةُ منهم بقولِهم: ليس علينا في مال العرَب والذين لا كتابَ لَهم حجةٌ ولا مأثَم. وقولهُ تعالى: { وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ } أي يقولون لَمْ يجعل لَهم علينا في كتابنا حُرْمَةً كحُرْمَتِنَا ، { وَهُمْ يَعْلَمُونَ } أنَّ الله تعالى قد أنزلَ عليهم في كتابهم الوفاءَ وأداءَ الأمانة لِمن ائْتَمَنَهُمْ وخالَطَهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت