قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي } ؛ أي قَومِي ، { وَإِنَّ وَعْدَكَ } ؛ بنجاةِ قومي ، { الْحَقُّ } ؛ الصِّدقُ لا شكَّ فيه ، { وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ } ؛ في قولِكَ وفعلِكَ ، وكان دعاءُ نوحٍ عليه السلام بهذا الدُّعاء حين حَالَ الموجُ بينَهُ وبين ابنهِ كنعان. { قَالَ يانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ } ؛ معناهُ: قال اللهُ: يا نوحُ إنَّهُ ليس من إهلِكَ الذين وعدتُكَ أن أُنْجِيَهُمْ ، إنما أهلُكَ دِينُكَ ، وإنَّ ابنَكَ كافرٌ ليس على دينكَ ، فانقطعَتِ العصمةُ بينَكَ وبينه بكُفرهِ وإيمانِكَ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: { إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ } أي إنَّ سؤَالَكَ إيَّايَ أنْ أُنْجِي كافرًا عمَلٌ غيرُ صالحٍ ، قرأ الكسائيُّ ويعقوب (عَمِلَ) بكسرِ الميم وفتح اللام (غَيْرَ) منصوب ، أي إنه عَمِلَ بالشِّركِ والتكذيب ، وقرأ الباقون بالرَّفع والتنوينِ (غَيْرُ) بالرفع ؛ أي إنه ذُو عَمَلٍ غير صالح. وَقِيْلَ إنَّ سُؤالَكَ إيَّاي نجاةَ ولدِكَ الذي ليس من أهلِكَ سؤالٌ غيرُ مُرْضٍ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: { فَلاَ تَسْئَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ } ؛ قرأ ابنُ كثير بتشديد النُّون وفتحِها ، وقرأ أهلُ المدينة والشام بتشديد النونِ وكسرِها ، والمعنى واحدٌ ؛ أي لا تسألني ما ليسَ لك به علمٌ أنه صوابٌ وأنا أفصِلهُ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: { إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ } ؛ إي إنِّي أعِظُكَ أن تسأَلَني سؤالَ الجاهلِ ، ولكن سَلْنِي سؤالَ العالِم بي. والوَعْظُ في اللغة: هو الزَّجْرُ عن القبيحِ ، وكان نداءُ نوح { رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي } نداءَ تعظيمٍ لله تعالى على ظنِّ أنَّ ابنَهُ من أهلِ دينه, وقولهُ تعالى { إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ } نداءُ تنبيهٍ على أنه ليسَ مِنْ أهلِ دينه ، ولا من أهلِ أن يلطفَ به.
واختلَفُوا في هذا الابنِ ، فقالوا: إنه لَمْ يكن ابنَ نوحٍ لقوله تعالى: { إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ } أي مِن ولدِكَ وهو قولُ مجاهد والحسنِ ، والمعنى على قولِهما إنهُ وُلِدَ لغيرِ رُشدهِ.
قال قتادةُ: (وسُئلَ الْحسَنُ عَنْهُ فَقَالَ:(وَاللهِ مَا كَانَ ابْنَهُ) ، وَقَرَأ { فَخَانَتَاهُمَا } [التحريم: 10] ! فَقُلْتُ: إنَّ اللهَ تَعَالَى حَكَى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: { إِنَّ ابْنِي } وَقَالَ: (وَنَادَى نُوحٌ ابْنُهُ) وَأنْتَ تَقُولُ: لَمْ يَكُنِ ابْنَهُ! وَإنَّ أهْلَ الْكِتَابَيْنِ لاَ يَخْتَلِفُونَ فِي أنَّهُ كَانَ ابْنَهُ ، فَقَالَ الْحَسَنُ: (وَمَنْ يَأْخُذُ دِينَهُ مِنْ أهْلِ الْكِتَاب؟! إنَّهُمْ يَكْذِبُونَ) . وقال ابنُ جريج: (وَنَادَاهُ وَهُوَ يَحْسَبُ أنَّهُ ابْنَهُ ، وَكَانَ وُلِدَ علَى فِرَاشِهِ) . وقال بعضُهم: إنما كان ابنَ امرأتهِ ، واستدَلُّوا بقولهِ { إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي } ولَمْ يقُل إن ابني منِّي ، وهو قولُ أبي جعفر الباقر.
وقال أكثرُ المفسِّرين: إنه كان ولدَهُ مِن صُلبهِ ، وقولهُ تعالى: { لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ } أي الذي وعدتُكَ أن أُنْجِيَهُمْ ، قالُوا: ومَا بَغَتِ امرأةُ نَبيٍّ قط ، وإنَّما خيانَتُهما في الدِّين لا في الفراشِ ، ولأنَّ الله تعالى يعصِمُ أنبياءَهُ صلواتُ اللهُ عَلَيْهِمْ أن يقعَ مِن نسائهم ما يُلحِقُ بهم عَيْبًا في الدُّنيا ، وإنْ كان قد يقعُ منهنَّ ما يكون عَيْبًا في أمرِ الآخرة ، وفي الحديث: