قًوْلُهُ تَعَالَى: { وَقَالُواْ مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِن آيَةٍ لِّتَسْحَرَنَا بِهَا } ؛ قال الخليلُ: (أصْلُ(مَهْمَا) : مَأْمَا ، أُبْدِلَتِ الأَلِفُ الأُوْلَى هَآء لِتَخْفِيْفِ اللَّفْظِ). وقال بعضُهم: معنى (مَهْ) : أُكْفُفْ. ثُم قال: (مَا تَأْتِنَا بهِ) بمعنى الشرطِ ؛ أي ما تأتنا به من علامةٍ يا موسى { لِّتَسْحَرَنَا بِهَا } أي لِتُوهِمَنَا أنَّها الحقُّ ، { فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ } أي بمصدقِّّين بالرسالةِ.
وكانُ موُسَى عليه السلام رجُلًا حديدًا ، فدعَا عليهم ؛ فأرسلَ عليهم الطوفانَ كما قال عَزَّ وَجَلَّ: { فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ } ؛ اختلفوا في الطُّوفَا ، ِ ما هو ؟ قال الضَّحاك: (الغَرَقُ) . وقال عطاءُ ومجاهد: (الْمَوْتُ الْغَالِبُ الشَّائِعُ) . وقال وهبُ: (الطُّوفَانُ: هُوَ الطَّاعُونُ بلُغَةِ أهْلِ الْيَمَنِ) . وقال أبو قُلابة: (هُوَ الْجُدَريُّ ؛ وَهُمْ أوَّلُ مَنْ عُذِّبوا بهِ ، وَبَقيَ فِي النَّاسِ إلَى الآنَ) . وقال الأخفشُ: (هُوَ السَّيْلُ الشَّدِيْدُ) . وقال مقاتلُ: (هُوَ الْمَاءُ طَغَى فَوْقَ حُرُوثِهِمْ) .
وقال بعضُهم: هو كثرةُ المطرِ والريح. الأظهرُ ما قالَهُ ابنُ عبَّاس: (أنَّهُ الْمَطَرُ الدَّائِمُ ، أرْسَلَ اللهُ الْمَطَرَ عَلَيْهِمْ لَيْلًا وَنَهَارًا مِنَ السَّبْتِ إلَى السَّبْتِ ، حَتَّى خَرَبَتْ أبْنِيَتُهُمْ ، وَكَادَ أنْ يَصِيْرَ الْمَطَرُ بَحْرًا ، فَخَافُوا الْغَرَقَ) .
قال ابنُ عبَّاس وسعيدُ بن جبير وقَتادةُ: (لَمَّا آمنتِ السَّحَرَةُ واغْتُلِبَ فرعونُ ، وأبَى هو وقومهُ إلا الإقامةَ على الكفرِ والتَّمادي في الشرِّ ، أخذهم اللهُ بالسِّنين ، ونقصٍ من الثمراتِ ، فلما عالَجهم موسى بالآياتِ الأربع: العَصَا ؛ واليدِ ؛ والسِّنين ؛ ونقصٍ من الثَّمراتِ ، دعَا فقالَ: يَا رَب! إنَّ عَبْدَكَ فرعونَ علاَ في الأرضِ وبغَى وعَتَى ، وإن قومَهُ قد نقضوا عهدكَ وأخلفوا وعدكَ ، ربي فَخُذْهُمْ بعقوبةٍ تجعلُها لَهم نقمةً ولقومي عِظَةً ولِمن بعدهم من الأمم عبرةً.
فبعثَ الله عليهم الطوفانَ ؛ وهو الماءُ أرسله عليهم من السَّماء حتى كادوا يهلَكُون ، وبيوتُ بني إسرائيلَ وبيوتُ القِبْطِ مشبكةٌ مختلطة بعضُهأ ببعضٍ ، فامتلأت بيوتُ القِبْطِ ماءً حتى قاموا في الماءِ إلى تراقيهم مَن جَلَسَ منهم غَرِقَ ، ولَم يدخلْ بيوتَ بني إسرائيل من الماءِ قطرة واحدة ، فأقامَ ذلك عليهم سبعةَ أيَّام.
فقالوا: يا مُوسَى! أُدْعُ لنا ربَّكَ يكشف عنا المطرَ ، فنؤمنَ بك ونُرْسِلَ معك بني إسرائيل. فدعا رَبَّهُ فكشفَ عنهم ذلك ، وأرسلَ الريح فجفَّفت الأرض ، وخرجَ من النباتِ شيءٌ لم يَرَوْا مثله ، فقالوا: هذا الذي كُنَّا نَتَمَنَّاهُ ، ومَا كان هذا الماءُ إلا نعمةً علينا وخصبًا. فلا واللهِ لا نؤمنُ بكَ يا موسى ، ولا نرسلُ معكَ بني إسرائيل.
فَنَقَضُوا العهدَ ، وعَصَوا ربَّهم واقاموا على كفرهم شهرًا ، فعبثَ اللهُ عليهم الجرادَ ، وغَشِىَ مصرَ منه أمرٌ عظيم حالَ بينهم وبين الماءِ وغَطَّى الشمسَ ؛ ووقعَ على الأرضِ بعضُه على بعضٍ ذراعًا ، فأَكَلَ جميعَ ما ينبتُ في الأرض ؛ وأكلَ الأشجارَ ؛ حتى أكلَ الأبوابَ وسُُقُوفَ البيوتِ والخشب والثياب والأمتعةَ ؛ حتى مساميرَ الحديدِ ، ولَمْ يدخل بيوتَ بني إسرائيل منه شيءٌ ، فعجَّلُوا إلى موسى و ؛ { وَقَالُواْ } : يا أيُّها الساحر! ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بَما عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إٍسْرَائِيلَ ، وأرادوا بالساحرِ العالِم يُعَظِّمُونَهُ.