فهرس الكتاب

الصفحة 1164 من 4495

قَوْلُهُ تَعَالى: { إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَآءِ وَالْمَسَاكِينِ } ؛ قال ابنُ عبَّاس والحسن وجابر بن زيد والزهريُّ ومجاهد: (الْفَقِيرُ الْمُتَعَفِّفُ الَّذِي لاَ يَسْأَلُ النَّاسَ ، وَالْمِسْكِينُ الَّذِي يَسْأَلُ) . ومعنى الآية: إنَّما الصدقاتُ لهؤلاءِ المذكورين لا للمنافقين.

قال ابنُ عبَّاس: (الْفُقَرَاءُ هُمْ أصْحَابُ الصُّفَّةِ ، صُفَّةُ مَسْجِدِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، كَانُوا نَحْوَ أرْبَعِمِائَةِ رَجُلٍ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مَنَازِلُ فِي الْمَدِينَةِ وَلاَ عَشَائِرُ ، فَأَوَوْا إلَى صُفَّةِ مَسْجِدِ رَسُولِ اللهِ ، يَلْتَمِسُونَ الرِّزْقَ بالنَّهَارِ وَيَأْوُونَ إلَيْهِ باللَّيْلِ ، فَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ فَضْلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أتَاهُمْ بهِ إذا أمْسَواْ) . قالَ: (وَالْمَسَاكِينُ هُمُ الطَّوَّافُونَ الَّذِينَ يَسْأَلُونَ النَّاسَ) .

فعلى هذا المسكين أفقرُ من الفقيرِ ، ومن الدليلِ على ذلك أنَّ الله قالَ: { لِلْفُقَرَآءِ الَّذِينَ أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ } [البقرة: 273] ثم قال: { يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَآءَ } [البقرة: 273] ، ومعلومٌ أن الجاهلَ بحالِ الفقير لا يحسبهُ غَنيًّا إلاَّ وله ظاهرٌ جميل ويدهُ حَسَنةٌ ، وقال تعالى: { أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ } [البلد: 16] . قيل في التفسير: الذي قد لَصَقَ بالتُّراب وهو جائعٌ عارٍ ليس بينه وبين التراب شيءٌ يَقيه. وقال أبو العبَّاس ثعلب: (حُكِيَ عَنْ بَعْضِ أهْلِ اللُّغَةِ أنَّهُ قَالَ: قُلْتُ لأَعْرَابيٍّ: أفَقيرٌ أنْتَ ؟ قَالَ: لاَ ؛ بَلْ مِسْكِينٌ. وأنشدَ الأعرابيُّ: أمَّا الْفَقِيرُ الَّتِي كَانَتْ حُلُوبَتُهُ وَفْقَ الْعِيَالِ فَلَمْ يُتْرَكْ لَهُ سَبَدُفَسَمَّاهُ فَقِيرًا مَعَ وُجُودِ الْحُلُوبَةِ) . وقال محمَّد بن مَسلمة: (الْفَقِيرُ الَّذِي لاَ مِلْكَ لَهُ) قال: (وَكُلُّ شَيْءٍ مُحْتَاجٍ إلَى شَيْءٍ فَهُوَ مُفْتَقِرٌ إلَيْهِ) ، واحتجَّ مَن قال: إن الفقيرَ أفقرُ من المسكينِ بقوله تعالى: { أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ } [الكهف: 79] فأضافَ السفينةَ إليهم ، وهذا لا دلالةَ فيه لأنه رُوي أنَّهم كانوا فيها أُجَراءَ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا } ، يعني السُّعَاةَ الذين يجلِبون الصَّدقَةَ ، ويتوَلَّون قبضَها من أهِلها ، يُعطون منها سواءٌ كانوا أغنياءَ أم فقراء ، واختلَفُوا في قَدْر ما يُعطَون ، قال الضحَّاك: (يُعْطَوْنَ الثُّمُنَ مِنَ الصَّدَقَةِ) ، وقال مجاهدُ: (يَأْكُلُ الْعُمَّالُ مِنَ السَّهْمِ الثَّامِنِ) ، وقال عبدُالله بن عمرِو بن العاص: (يُعْطَوْنَ عَلَى قَدْرِ عَمَالَتِهِمْ) ، وقال الأعمشُ: (يُعْطَونَ بقَدْرِ أُجُور أمْثَالِهِمْ وَإنْ كَانَ أكْثَرَ مِنَ الثُّمُنِ) ، وقال مالكُ وأهلُ العراقِ: (إنَّمَا ذلِكَ لِلإِمَامِ وَاجْتِهَادِهِ يُعْطِيهِمُ الإمَامُ قَدْرَ مَا رَأى) ، وعن ابنِ عمر: (يُعْطَوْنَ بقَدْرِ عَمَلِهِمْ) ، وعند الشافعيِّ: (يُعْطَوْنَ ثُمُنَ الصَّدَقَاتِ) .

قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ } ؛ هم قومٌ كان يُعطيهم النبيُّ صلى الله عليه وسلم يتأَلَِّفُهم على الإسلامِ ، كانوا رُؤساءَ في كلِّ قبيلةٍ ، منهم أبو سُفيان بن حربٍ من بني أُمَيَّة ، والأقرعُ بن حَابسٍ ، وعقبةُ بن حصن الفزَّاري وغيرُهما من بني عامرِ بن لُؤي ، والحارثُ بن هشامِ المخزوميُّ ، وسهيلُ بن عمرو الجمحيُّ من بني أسَدٍ ، والعباسُ بن المرداسِ من بني سُليم ، فلما توُفِّيَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم جاءَ المؤلَّفة قلوبُهم إلى أبي بكرٍ وطلَبُوا منه سَهمَهم ، فأمَرَهم أن يكتبُوا كِتَابًا ، فجَاؤُا بالكتاب إلى عُمر رضي الله عنه ليشهدَ ، فقال عمر: إيْشُ هَذَا ؟ قَالُوا: سَهْمُنَا ، فَقَالَ عُمَرُ رضي الله عنه:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت