فهرس الكتاب

الصفحة 32 من 4495

قَوْلُهُ تَعَالَى: { إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْى أَن يَضْرِبَ مَثَلًا مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا } ، هذا مثلٌ آخرُ للمنافقين ؛ وسَبَبُهُ لَمَّا ذكرَ اللهُ في المنافقين المَثَلَين المتقدِّمَين قالُوا: إنَّ اللهَ تعالَى أجلُّ وأعلَى من أَن يَضْرِبَ هذه الأمثالَ ؛ فأنزلَ اللهُ هذه الآيةَ لأن البعوضةَ تَحيى ما دامَتْ جائعةً فإذا شبعَتْ هلكت ؛ فكذلك المنافقونَ يَحْيَوْنَ ما افتَقَرُوا وإذا شَبعُوا بَطِرُواْ وهَلَكُوا. فكأنَّهُ قالَ تعالى: كيفَ أستَحِي مِن ضَرْب الْمَثَلِ في المنافقِين وأَنَا أضربهُ بالبعوضِ الذي هو مِثلُهم.

وَقِيْلَ: إنَّ المشركينَ لَمَّا نزلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: { إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُواْ ذُبَابًا } [الحج: 73] . وقَوْلُهُ تَعَالَى: { مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَآءَ كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ } [العنكبوت: 41] قالُوا: إن اللهَ تعالَى يضربُ المثلَ بالذُّباب والعنكبوت مع صِغَرِهما فإنَّهما يُعْجِزَانِ آلِهَتَهم.

ومعنى الآيةِ: أنَّ اللهَ لا يَمنعهُ الحياءُ أن يضربَ الحقَّ شَبَهًا ما بعوضةً فما أكبرَ منها مثلَ الذُّباب وغيرهِ. وَقِيْلَ: فما فوقَها في الصِّغَرِ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: { فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ } ؛ أي فيعلمون أنَّ المثلَ حقٌّ من ربهم ؛ وأما الكافرون فيقولون: أيَّ شيءٍ أرادَ الله بذِكْرِ البعوضِ والذباب مثلًا.

قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَآ أَرَادَ اللَّهُ بِهَـاذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا } ؛ أي قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ: يُضِلُّ ويَخْذِلُ بالمثلِ كثيرًا من الناس ، ويوفِّقُ لمعرفته كثيرًا ، { وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ } ؛ يعني الخارجينَ عن طاعة اللهِ. قيل: همُ اليهودُ في هذه الآية.

وأمَّا في قولهِ: { مَثَلًا مَّا } قيل: نكرةٌ معناه أن يضربَ مِثالًا شيئًا من الأشياء بعوضةً فما فوقها. وقيل: الأصحُّ أنَّها زائدةٌ مثل { فَبِمَا نَقْضِهِم } [النساء: 155] ولا إعرابَ لها فيتخطَّاها الناصبُ والخافضُ إلى ما بعدها. وقيل: نصبَ بعوضَةً على معنى ما بين بعوضةٍ إلى ما فوقها ؛ فإذا ألْقَى (بين) و (إلى) نصبَ. ويقالُ في الكلام: هي أحسنُ الناسِ ما قرنًا ، ومَدُّ (مَا) . قَوْلُهُ تَعَالَى { مَثَلًا } نُصِبَ على القطعِ عند الكوفيِّين ؛ غيرَ أنَّه قُطِعَ الإضافةَ ؛ أي بهذا المثلِ. وعند البصريِّين على الحالِ ؛ أيْ ما أرادَ اللهُ بالمثل في هذه الحالةِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت