قَوْلُهُ تَعَالَى: { مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ } ؛ يجوزُ أن يكون مَن كَفَرَ رفعا على البدلِ من (الْكَاذِبينَ) ، ويجوز أن يكون كَلامًا مبتدأ ، وقولهُ تعالى { فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللَّهِ } خبرٌ له أو خبرٌ لقولهِ { وَلَـاكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا } . والمرادُ بقولهِ { إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ } : عَمَّارُ بنُ يَاسِرٍ.
رُوي:"أنَّ الْمُشْرِكِينَ أخَذُوهُ فِي طَرِيقِ مَكَّةَ ، فَعَذبُوهُ حَتَّى سَبَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم وَذكَرَ آلِهَتَهُمْ بخَيْرٍ ، فَلَمَّا فَعَلَ ذلِكَ تَرَكُوهُ ، فَأَتَى النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ يَمْسَحُ الدُّمُوعَ مِنْ عَيْنَيْهِ ، فَأَخْبَرَهُ الْقِصَّةَ ، فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ ، فَقَالَ لَهُ صلى الله عليه وسلم:"كَيْفَ وَجَدْتَ قَلْبَكَ ؟"قَالَ: مُطْمَئِنًا بالإيْمَانِ. فَقَالَ صلى الله عليه وسلم:"إنْ عَادُوا فَعُدْ"".
وقوله عليه السلام:"إنْ عَادُوا فَعُدْ"على جهةِ الإباحة والرُّخصة دون الإيجاب ، فإنَّ الْمُكْرَهَ على الكفرِ إذا صبرَ حتى قُتِلَ كان أعظمَ لأجرهِ ، والإكراهُ السماح لإجراءِ كلمة الكُفرِ على اللِّسان ، وهو أن يخافَ التلفَ على نفسهِ ، أو على عُضو من أعضائهِ إن لم يفعل ما أُمِرَ بهِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَلَـاكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا } ، أي فَسَحَ صدرَهُ للكفرِ بالقَبُولِ وأتَى به على الاختيارِ ، { فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } قِيْلَ: إنَّها نزلت في أبي سَرْحٍ القرشي رجعَ إلى الشركِ ، وباحَ بالكفرِ ولَحِقَ بمكَّة.