فهرس الكتاب

الصفحة 87 من 4495

قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ } ؛ أي قالت اليهودُ: قلوبنا ممنوعةٌ من القَبُولِ ؛ فردَّ الله عليهم بقوله: { بَل لَّعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ } ؛ أي أنَّهم ألِفُوا كُفْرَهُمْ فاشتدَّ إعجابُهم به ومحبَّتُهم لهُ فمنَعَهم الله الألطافَ والفوائدَ التي منحَ اللهُ المؤمنين مجازاةً لَهم على كُفرِهم.

قرأ ابن محصين: (غُلُفٌ) بضمِّ اللام. وقرأ الباقون بجزْمِها. فمَن خفَّف فهو جَمْعُ الأَغْلُفِ مثل أصفر وصُفر ؛ وهو الذي عليه غشاوةٌ وغطاءٌ بمنْزلة الأغلفِ غيرِ المختون ؛ والأقلفُ مثله ، أي عليها غِشَاوَةٌ فلا تَعِي ولا تفقهُ ما تقولُ يا مُحَمَّد! قالَهُ قتادة ومجاهد ؛ نظيرهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ } [فصلت: 5] .

ومَن ثقَّلَ (غُلُّفٌ) فهو جَمْعُ غِلاَفٍ مثل: حجابٍ وحُجُبٍ ؛ وكتابٍ وكُتُبٍ ، ومعناه: قُلُوبُنَا أوْعِيَةٌ لِكُلِّ عِلْمٍ ؛ فَلاَ نَحْتَاجُ إلَى عِلْمِكَ وَكِتَابكَ ؛ فَهِيَ لاَ تَسْمَعُ حَدِيْثًا إلاَّ وَعَتْهُ ؛ إلاَّ حَدِيْثَكَ لاَ تَعِيَهُ وَكِتَابَكَ ؛ قاله عطاءُ وابن عباس. وقال الكلبيُّ: (يُرِيْدُونَ أوْعِيَةً لِكُلِّ عِلْمٍ فَهِيَ لاَ تَسْمَعُ حَدِيْثًا إلاَّ وَعَتْهُ ؛ إلاَّ حَدِيْثَكَ لاَ تَعِيَهُ وَلاَ تَعْقِلَهُ. فَلَوْ كَانَ فِيْهِ خَيْرٌ لَفَهِمَتْهُ ولَوَعَتْهُ) قَالَ اللهُ تَعَالَى: { بَل لَّعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ } وأصلُ اللَّعنِ: الطردُ والإبعادُ ؛ فمعناهُ: طَرَدَهُمُ اللهُ ؛ أي أبعدَهم من كلِّ خيرٍ. وقال النضرُ بن شُميل: (الْمَلْعُونُ: للْمُخْزَى وللْمَلِكِ) .

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: { فَقَلِيلًا مَّا يُؤْمِنُونَ } ؛ قال قتادةُ: (مَعْنَاهُ مَا يُؤْمِنُ مِنْهُمْ إلاَّ قَلِيْلٌ ؛ وَهُوَ عَبْدُاللهِ بْنُ سَلاَمٍ وَأصْحَابُهُ ؛ لأَنَّ مَنْ آمَنَ مِنَ الْمُشْرِكِيْنَ أكْثَرُ مِمَّنْ آمَنَ مِنَ الْيَهُودِ) . فعلى هذا القولِ { مَا } صلةٌ معناهُ: فقَلِيلًا يؤمنونَ. ونصبَ (قَلِيْلًا) على الحالِ ، وَقِيْلَ: على معنى صَارُوا قليلًا يُؤمنون. وَقِيْلَ: معناهُ: إيْمانُهم باللهِ قليلٌ ؛ لأنَّهم يؤمنون ببعضٍ ويكفرون ببعضٍ. وانتصبَ (قَلِيْلًا) على هذا التأويلِ على معنى: إيْمانًا قليلًا يؤمنون.

وقال معمر: (مَعْنَاهُ لاَ يُؤْمِنُونَ إلاَّ بقَلِيْلٍ مِمَّا فِي أيْدِيْكُمْ وَيَكْفُرُونَ بأَكْثَرَ) وعلى هذا القول يكون (قَلِيْلًا) منصوبًا بنَزع الخافضِ ، و (ما) صلةٌ ؛ أي فبقليلٍ يؤمنون. وقال الواقديُّ وغيره: (مَعْنَاهُ لاَ يُؤْمِنُونَ قَلِيْلًا وَلاَ كَثِيْرًا) وهذا كقولِ الرجُل للآخرِ: ما أقلَّ ما تفعلُ كذا! يريد لا يفعلهُ البتَّةَ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت