فهرس الكتاب

الصفحة 598 من 4495

قوله عَزَّ وَجَلَّ: { وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ } ؛ لمَّا ذكرَ اللهُ تعالى اختلافَ اليهودِ والنَّصارى في عيسَى ؛ بَيَّنَ بعدهُ أن هذا الشّكَّ سيزولُ عن كل كتابيٍّ ، فقالَ تعالى: { وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ } أي ما أحدٌ مِن أهلِ الكتاب إلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بعيسَى قبلَ لأن يَموتَ الكتابيُّ يعني: إذا عَايَنَ اليهوديُّ أمرَ الآخرةِ وَحَضَرَتْهُ الوفاةُ ؛ ضَرَبَتِ الملائكةُ وَجْهَهُ وَدُبُرَهُ ؛ وقالت: أتاكَ عيسى نبيًّا فَكذبْتَ بهِ ؛ فيؤمنُ حبن لا ينفعهُ إيْمانهُ ، ويقول للنصرانِيِّ: أتاكَ عيسى عليه السلام نَبيًّا فَكَذَبْتَ عبدَاللهِ ورسولَهُ ، فزعمتَ أنهُ هو اللهُ وابن اللهِ ، فيؤمنُ بأنهُ عبدُاللهِ حين لا ينفعهُ إيْمانهُ.

وَقِيْلَ: معناهُ: قبلَ موتِ عيسَى ، وهذا قولُ الحسنِ وقتادةَ والربيعِ ؛ جعلوا هاتَين الكنايَتين في (بهِ) و (مَوْتِهِ) راجعينَ إلى عيسَى عليه السلام ، والقولُ الأولُ هو قول عكرمةَ ومجاهدُ والسُّدِّيُّ ؛ جعلوا الهاءَ في قولهِ (به) راجعةً إلى عيسَى ، وفي قوله (مَوْتِهِ) راجعةً إلى الكتابيِّ الذي يؤمنُ به إذا عايَن الموتَ ، وهي روايةٌ عنِ ابن عبَّاس ؛ قالوا: (لاَ يَمُوتُ يَهُودِيٌّ وَلاَ صَاحِبُ أوْ أكَلَهُ سَبْعٌ أوْ مِيْتَةٍ كَانَتْ) حَتَّى قيلَ لابنِ عبَّاس: (أرَأيْتَ إنْ خَرَّ مِنْ فَوْقِ بَيْتٍ ؟ قال: تَكَلَّمَ بهِ الْهَوْيِ ؛ قِيلَ لَهُ: رَأَيْتَ لَوْ ضُرِبَتْ عُنُقُ أحَدِهِمْ ؟ قَالَ: تَلَجْلَجَ بهِ لِسَانُهُ) . يدلُّ على صحَّة هذا التأويلِ قراءةُ أُبَيٍّ (قَبْلَ مَوْتِهِمْ) .

قال شَهْرُ بن الْحَوْشَب:(قَالَ لِيَ الْحَجَّاجُ يَوْمًا: إنَّ آيَةً مِنْ كِتَاب اللهِ مَا قَرَأتُهَا إلاَّ تَلَجْلَجَ لِي فِي نَفْسِي مِنْهَا شَيْءٌ ، قُلْتُ: وَمَا هِيَ ؟ قالَ: { وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ } وَإنِّي لأُوْتَى بالأَسِيرِ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى فَأَضْرِبُ عُنُقَهُ ، فَمَا أسْمَعُهُ يَقُولُ شَيْئًا.

قُلْتُ: إنَّ الْيَهُودِيَّ إذا حَضَرَهُ الْمَوْتُ ؛ ضَرَبَتِ الْمَلاَئِكَةُ وَجْهَهُ وَدُبُرَهُ ؛ وَتَقُولُ لَهُ: يَا عَدُوَّ اللهِ ؛ أتَاكَ عِيْسَى عَبْدًا نَبيًّا فَكَذبْتَ بهِ ، فَيَقُُولُ: إنِّي آمَنْتُ بهِ إنَّهُ عَبدٌ نَبيٌّ ، فَيُؤْمِنُ بهِ حِيْنَ لاَ يَنْفَعُهُ إيْمَانُهُ ، وَتَقُولُ الْمَلاَئِكَةُ لِلنَّصْرَانِيِّ: يَا عَدُوَّ اللهِ ؛ أتَى عِيْسَى عَبْدًا نَبيًّا فَكَذْبتَ بهِ وَقُلْتَك إنَّهُ اللهُ وَابْنُ اللهِ ، فَيَقُولُ: إنَّهُ عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ حِيْنَ لاَ يَنْفَعُهُ إيْمَانُهُ.

قَالَ الْحَجَّاجُ: وَمَنْ حَدَّثَكَ بهَذا الْحَدِيْثِ ؟ قُلْتُ: حَدَّثَنِي بهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَنَفِيَّةِ ، قَالَ: - وَكَانَ مُتَّكِئًا فَجَلَسَ - ثُُمَّ نَكَثَ فِي الأَرْضِ بقَضِيبَةٍ سَاعَةً ، ثُمَّ رَفَعَ رَأَسَهُ إلَيَّ وَقَالَ: أخَذْتَهَا مِنْ مَعْدَنِهَا.

قَالَ الْكَلْبِيُّ: فَقُلْتُ لِشَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ: وَمَا الَّذِي أرْدَتَ بقَوْلِكِ لِلْحَجَّاجِ: حَدَّثَنِي بذلِكَ ابْنُ الْحَنَفِيَّةِ وَهُوَ يَكْرَهُهُ ، وَيَكْرَهُ مَنْ جَاءَ مِنْ قِبَلِهِ ؟ قَالَ: أرَدْتُ أنْ أغِيْظَهُ) .

وحُجَّةُ من قال: إنَّ الهاءَ في قوله { مَوْتِهِ } راجعةٌ إلى عيسَى: ما رويَ في الخبرِ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم: [أنَا أوْلَى النَّاسِ بعِيْسَى ؛ لأنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَيْنِي وَبَيْنَهُ نَبيٌّ ، وَيُوْشِكُ أنْ يَنْزِلَ فِيْكُمْ حَكَمًا عَدلًا ، فَإذا رَأَيْتُمُوهُ فَاعْرِفُوهُ ، فَإنَّهُ رَجُلٌ مَرْبُوعُ الْخَلْْقِ إلَى الْحُمْرَةِ وَالْبَيَاضِ ، كَأَنَّ رَأسَهُ يَقْطُرُ وَإنْ لَمْ يُصِبْهُ بَلَلٌ ، فَيَقْتُلُ الْخِنْزِيْرَ ؛ وَيُرِيْقُ الْخَمْرَ ؛ وَيَكْسِرُ الصَّلِيْبَ ؛ وَيُذْهِبُ السَّحَرَةَ ؛ وَيُقَاتِلُ النَّاسَ عَلَى الإسْلاَمِ ؛ وَتَكُونُ السَّجْدَةُ وَاحِدَةً للهِ رَب الْعَالَمِيْنَ ، وَيُهْلِكُ اللهُ فِي زَمَانِهِ مَسِيْحَ الضَّلاَلَةِ الْكَذَابَ الدَّجَّالَ ؛ حَتَّى لاَ يَبْقَى أحَدٌ مِنْ أهْلِ الْكِتَاب وَقْتَ نُزُولِهِ إلاَّ يُؤْمِنُ بهِ ، وَتَقَعُ الأَمَنَةُ فِي زَمَانِهِ حَتَّى تَرْتَعَ الإبلُ مَعَ الأُسُودِ ؛ وَالْبَقَرُ مَعَ النُّمُورِ ؛ وَالْغَنَمُ مَعَ الذِّئّاب ، وَيَلْعَبُ الصِّبْيَانُ بالْحَيَّاتِ ، لاَ يُؤْذِي بَعْضُهُمْ بَعضًا ، ثُمَّ يَلْبَثُ فِي الأَرْضِ أرْبَعيْنَ سَنَةً ثُمَّ يَمُوتُ ، وَيُصَلِّي عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ وَيَدْفِنُوهُ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت