قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْنًا } ؛ أي جعلنا الكعبةَ مَثَابَةً ؛ أي مَرْجِعًا. وقال ابنُ عباس: (يَعْنِي مَعَاذًا وَمَلْجَأً) . وقال ابنُ جبير ومجاهد والضحَّاكُ: (يَثُوبُونَ إِلََيْهِ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ ، وَيَحُجُّونَهُ ، وَلاَ يَمَلُّونَ مِنْهُ ، فًَمَا مِنْ أحَدٍ قَصَدَهُ إلاَّ وَيَتَمَنَّى الْعَوْدَ إلَيْهِ) . وقال قتادةُ وعكرمة: (مَجْمَعًا) . وقال طلحةُ: (مَثَابًا يَحُجُّونَ إلَيْهِ وَيُثَابُونَ عَلَيْهِ) . قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَأَمْنًا } وصفُ للبيتِ ؛ والمرادُ به جميع الحرمِ ، كما قال: { بَالِغَ الْكَعْبَةِ } [المائدة: 95] والمرادُ الحرمُ لا الكعبة ؛ لأنه لا يُذبح فيها ولا في المسجدِ.
ومعنى { وَأَمْنًا } أي مَأْمَنًا يأمنون فيه. قال ابنُ عبَّاس: (فَمَنْ أحْدَثَ حَدَثًا خارجَ الْحَرَمِ ثُمَّ لَجَأَ إلَيْهِ أمِنَ مِنْ أنْ يُهَاجَ فِيْهِ) أي لم يُتَعَرَّضْ لهُ ، ولكن لا يبالغُ ولا يخالط ويوكل به ، فإذا خرجَ منه أُقِيْمَ عليه الحدُّ فيه. وهذا كانوا يتوارثُونَه من زمنِ إسماعيلَ إلى أيَّام النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ، وكانتِ العربُ في الجاهلية تعتقدُ ذلك في الحرمِ ، ويستعظمُ القتلُ فيه. كان الرجلُ منهم يؤوي إليه قاتلُ أبيه فلا يتعرَّض له. ومن الأَمْنِ الذي جعلَهُ الله فيه: اجتماعُ الصيدِ والكلب ولا يهيج الكلبُ الصيدَ ، ولا ينفرُ الصيدُ من الكلب حتى إذا خرجَا منه عَدَا الكلبُ على الصيدِ ، وعادَ الصيدُ إلى الهرب.
قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى } ؛ قرأ شيبةُ ونافع وابن عامرٍ والحسنُ: (وَاتَّخَذُواْ) بفتح الخاءِ على الخبر. وقرأ الباقون بالكسرِ على الأمر. قال ابنُ كيسان:"ذَكَرُواْ أنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم مَرَّ بالْمَقَامِ وَمَعَهُ عُمَرُ رضي الله عنه ؛ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ ؛ ألَيْسَ هَذَا مَقَامُ أبيْنَا إبْرَاهِيْمُ ؟ قَالَ: [بَلَى] . قَالَ: أفَلاَ تَتَّخِذُهُ مُصَلَّى ؟ قَالَ: [لَمْ أُوْمَرْ بذَلِكَ] . فَلَمْ تَغِب الشَّمْسُ مِنْ يَوْمِهِ حَتَّى نَزَلَ: { وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى } ".
وعن أنسِ بن مالك قال: قال عمرُ رضي الله عنه: [وَافَقَنِي رَبي فِي ثَلاَثٍ: قُلْتُ: لَوِ اتَّخَذْتَ مِنْ مَقامِ إبْرَاهِيْمَ مُصَلَّى ؛ فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: { وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى } . وَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ ؛ إنَّهُ يَدْخُلُ عَلَيْكَ الْبرُّ وَالْفَاجِرُ ؛ فَهَلاَّ حَجَّبْتَ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِيْنَ ؟ فَأَنْزَلَ اللهُ آيَةَ الْحِجَاب. قَالَ: وَبَلَغَنِي شَيْءٌ كَانَ بَيْنَ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِيْنَ وَبَيْنَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَاسْتَفَزَّ مِنْهُنَّ. أقُولُ: لَتَكُفَّنَّ عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أوْ لَيُبَدِّلَنَّهُ اللهُ أزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ حَتَّى أتَيْتُ عَلَى آخِرِ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِيْنَ ، فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: يَا عُمَرُ ؛ مَا فِي أصْحَاب رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم مَنْ يَعِظُ نِسَاءَهُ حَتَّى تَعِظَهُنَّ. فَأَمْسَكْتُ. فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: { عَسَى رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِّنكُنَّ } [التحريم: 5] ).
واختلفوا في قولهِ تعالى: { مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ } ؛ قال النخعيُّ: (الْحَرَمُ كُلُّهُ مِنْ مَقَامِ إبْرَاهِيْمَ) .