فهرس الكتاب

الصفحة 71 من 4495

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: { وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً } ؛ هذه الآيةُ نزلت بعد قولهِ تعالى: { وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا } [البقرة: 72] وإنْ كانت مُقَدَّمَةً في التلاوةِ ؛ لأن قتلَ النفسِ كان قبلَ ذبح البقرةِ.

وَالْقِصَّةُ فيه مَا رُويَ: أنَّ بَنِي إسْرَائِيْلَ قِيْلَ لَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ: أَيَّمَا قَتِيْلٍ وُجِدَ بَيْنَ قَرْيَتَيْنِ فَلْيُقَسْ إلَى أيِّهمَا أقْرَبُ ؛ ثُمَّ لِيُؤْخَذْ لأَهْلِ تِلْكَ الْقَرْيَةِ وَلْيَحْلِفْ خَمْسُونَ شَيْخًا مِنْ شُيُوخِهِمْ باللهِ مَا قَتَلُوهُ وَلاَ عَلِمُواْ لَهُ قَاتِلًا. فَقَتَلَ رَجُلاَنِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيْلَ ابْنَ عَمٍّ لَهُمَا اسْمُهُ عَامِيْلُ لِيَرِثَاهُ ؛ وَكَانَتْ لَهُمَا ابْنَةُ عَمٍّ حَسَنَةٍ ، فَخَافَا أنْ يَنْكِحَهَا ؛ فَقَتَلاَهُ لِذَلِكَ وَحَمَلاَهُ إلَى جَانِب قَرْيَةٍ فَأُخِذَ أهْلُ تِلْكَ الْقَرْيَةِ بهِ فَجَاءُواْ إلَى مُوسَى عليه السلام ، وَقَالُواْ: أُدْعُ اللهَ تَعَالَى أنْ يُطْلِعَنَا عَلَى قَاتِلِهِ ، فَأَوْحَى اللهُ إلَيْهِ: امُرْهُمْ أنْ يَذْبَحُواْ بَقَرَةً ، فَأَمَرَهُمْ بذَلِكَ لِيُضْرَبَ الْمَقْتُولُ ببَعْضِ تِلْكَ الْبَقَرَةِ فَيَحْيَى فَيُخْبرَهُمْ بمَنْ قَتَلَهُ. فَـ: { قَالُواْ أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا } ؛ أي تستهزئُ بنا يا موسَى حين سألناكَ عن القتلِ وتأمرُنا بذبحِ بقرةٍ!! وإنَّما قالوا ذلك لتباعُدِ الأمرين في الظاهرِ ؛ ولَم يَدْرُوا ما الحكمةُ فيه.

وقرأ ابن محيص: (أيَتَّخِذُنَا) بالياء يعنون اللهَ عَزَّ وَجَلَّ. ولا يستبعدُ هذا من جَهْلِهم ؛ لأنَّهم هم الذين قالوا: { اجْعَلْ لَّنَآ إِلَـاهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ } [الأعراف: 138] . وفي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: (هُزُوًا) ثلاثُ لغات: (هُزْوًا) بالتخفيف والهمزِ ومثله كُفْوًا ؛ وهي قراءة الأعمشِ وحمزةَ وخلف. و (هُزُؤاًّ) و (كُفُؤاًّ) مهموزان مثقَّلان ، وهي قراءةُ أبي عمرٍو وأهل الحجاز والشام والكسائي. وهُزُوًّا وكُفُوًّا مثقَّلان بغيرِ همز هي قراءةُ حفصٍ عن عاصم ، وكلها لغاتٌ صحيحة فصيحةٌ معناها الاستهزاءُ.

فَـ: { قَالَ } ؛ لَهم موسَى: { أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ } ؛ أي أمْتَنِعُ باللهِ أنْ أكونَ مِن المستهزئين بالمؤمنين.

فلمَّا عَلِمَ القومُ أن ذبحَ البقرةِ عَزْمٌ من اللهِ ، { قَالُواْ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ } ، أي مَا هذه البقرةُ ؛ كبيرةٌ أم صغيرةٌ ؟ ورُوي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:"وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بيَدِهِ ؛ لَوْ أنَّهُمْ عَمَدُواْ إلَى أدْنَى بَقَرَةٍ فَذَبَحُوهَا لأَجْزَتْ ، وَلَكِنْ شَدَّدُواْ عَلَى أنْفُسِهِمْ بالْمَسْأَلَةِ فَشَدَّدَ اللهُ عَلَيْهِمْ"إنَّما كان تشديدُهم تقديرًا مِن الله عَزَّ وَجَلَّ وحكمةً منهُ.

وكان السببُ فيه: أن رجُلًا من بني إسرائيلَ كان بَارًّا بأبويهِ ، وبلغَ من برِّه أنَّ رجلًا أتاه بلؤلؤة فابتاعها بخمسين ألفًا ، وكان فيها فضلٌ. فقال: إن أبي نائمٌ ومفتاح الصندوق تحت رأسه ، فأمهلني حتى يستيقظ وأعطيك الثمن. قال: فأَيقِظْهُ وأعطني الثمن. قال: ما كنتُ لأفْعَلَ ، قال: أزيدُك عشرةَ آلاف إن أيقظتَ أباك وعجَّلت النقدَ. فقال: وأنا أزيدُكَ عشرين ألفًا إنِ انتظرتَ انتباهَ أبي ؛ ففعل ولَم يوقِظِ الرجلُ أباه ؛ فأعقبه الله ببرِّهِ أباهُ أن جعل البقرةَ تلك بعينها عنده.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت