قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ } ؛ أي جَاهِدُوا المشركين بحسب الطَّاقة واستفراغِها ، ولا تخافُوا في اللهِ لومةَ لائمٍ ، وقال بعضُ المفسِّرين: معناهُ: اعبدوا اللهَ حقَّ عبادتهِ وأطيعوهُ حقَّ طاعته. قال السديُّ: (هُوَ أنْ يُطَاعَ فَلاَ يُعْصَى) وقال مقاتلُ: (نَسَخَتْهَا آيَةُ التَّغَابُنِ { فَاتَّقُواْ اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ } [التغابن: 16] ) ، وَقِيْلَ: هو مجاهدةُ النَّفسِ والهوَى ، وذلك حقُّ الجهاد وهو الجهادُ الأكبر.
وقال بعضُهم: هو حقُّ الجهاد ؛ لِمَا"رُوي عن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال حينَ رجعَ من بعضِ غزواته:"رَجَعْنَا مِنَ الْجِهَادِ الأصْغَرِ إلَى الْجِهَادِ الأَكْبَرِ". وقال بعضُهم: في حقِّ الجهاد أنه"كَلِمَةُ عَدْلٍ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ". وقال الحسنُ: (هُوَ أنْ تُؤَدِّيَ جَمِيْعَ مَا أمَرَكَ اللهُ بهِ ، وَتَجْتَنِبَ جَمِيْعَ مَا نَهَاكَ اللهُ عَنْهُ ، وَتَتْرُكَ رَغْبَةَ الدُّنْيَا) . وقال الضحَّاكُ: (مَعْنَاهُ: جَهِدُوا بالسَّيْفِ مَنْ كَفَرَ باللهِ ، وَإنْ كَانُواْ الآبَاءَ وَالأَبْنَاءَ) ."
قَوْلُهُ تَعَالَى: { هُوَ اجْتَبَاكُمْ } ؛ أي اختارَكم لدِينه وجهادِ أعدائه ، والاجْتِبَاءُ: هو اختيار الشَّيء بمَا فِيْهِ مِنَ الصَّلاَحِ ، يقال: الحقُّ يُجْتَبَى ، والباطلُ يُتَّقَى. قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ } ؛ أي جعلَ عليكُم في شرائعِ دِينكم من ضِيْقٍ ، وذلك أنه ما يتخلَّص منه بالتوبةِ ، وما يتخلَّص منه برَدِّ المظلمةِ ، ويتخلصُ منه بالقصاصِ ، وليس في دِين الإسلام ما لا سبيلَ إلى الخلاصِ من العقاب به ، بل مَن أَذنبَ ذنبًا جعلَ اللهُ له مَخرجًا منه بالتوبةِ والكفَّارات ، ولَم يبقَ في ضِيْقِ ذلك الذنب. وقال مجاهدُ: (يَعْنِي الرُّخَصَ عِنْدَ الضَّرُورَاتِ كَالْقَصْرِ ؛ وَالتَّيَمُّمِ ؛ وَأكْلِ الْمَيْتَةِ ؛ وَالإفْطَار عِنْدَ الْمَرَضِ وَالسَّفَرِ) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: { مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ } ؛ أي إلْزَمُوا واتَّبعُوا مِلَّتَهُ ، وَقِيْلَ: معناهُ: وَسَّعَ عليكم في الدِّين كَمِلَّةِ أبيكم إبراهيمَ ، إلاّ أنه لَمَّا حَذفَ حرفَ الجرِّ نصبَ الْمِلَّةَ ، وإنَّما أمَرَ باتِّباع ملَّة إبراهيمَ ؛ لأنَّها داخلةً في مِلَّةِ نبيِّنا مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم.
وإنَّما قال: (أبيْكُمْ إبْرَاهِيْمَ) وإن لَم يكن جميعُهم من نَسَبهِ ؛ لأن حرمةَ إبراهيمَ عليه السلام على المسلمين كحرمةِ الوالدِ على الولد ، وحَقَّهُ كحقِّ الوالدِ ، كما قال تعالى: { وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ } [الأحزاب: 6] .
قَوْلُهُ تَعَالَى: { هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ } ؛ نزولِ القُرْآنِ ، { وَفِي هَـاذَا } ؛ القُرْآنِ ، كما رُوي أنَّ الله تعالى أوحَى إلى إبراهيمَ: يُبْعَثُ بعدَكَ نبيٌّ فيكون قومُهُ مسلمينَ. وَقِيْلَ: معناهُ: إن إبراهيمَ سَمَّاكم المسلمينَ ، كما قال في دعائهِ { وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ } [البقرة: 128] .
قَوْلُهُ تَعَالَى: { لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ } ؛ أي لِيَكونَ مُحَمَّدٌ صلى الله عليه وسلم شَهيدًا عليكم يومَ القيامة بطاعةِ مَن أطاعَ في تبليغه ، وعِصيَانِ مَن عَصَى ، { وَتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ } ؛ أنَّ الرُّسُلَ بلَّغَتهم.
قَوْلُهُ تَعَالَى: { فَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَـاةَ } ؛ أي أدُّوهُما كما وَجَبَتَا. قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَاعْتَصِمُواْ بِاللَّهِ } ؛ أي واعتَصِمُوا بدينِ الله وتَمسَّكوا به. وَقِيْلَ: معناهُ: اتَّقُوا باللهِ وتوكَّلوا عليهِ ، { هُوَ مَوْلاَكُمْ } ؛ أي هو رَبُّكم وحافِظُكم ، { فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ } ؛ أي فَنِعْمَ الحافظُ لكم ، ونِعْمَ الناصرُ.
وعن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم أنه قالَ:"مَنْ قَرَأ سُورَةَ الْحَجِّ ؛ أُعْطِيَ مِنْ أجْرِ حَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ اعْتَمَرَهَا بعَدَدِ مَنْ حَجَّ وَاعْتَمَر فِيْمَا مَضَى وَفِيْمَا يَبْقَى".