قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: { وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ } ؛ أي وقَاتِلُوا في دِين الله وطاعتهِ الذين يقاتِلُونَكم. قال الربيعُ وعبدالرحمن بن زيد: (هَذِهِ أوَّلُ آيَةٍ نَزَلَتْ فِي الْقِتَالِ ، وَذَلِكَ أنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَأصْحَابَهُ خَرَجُواْ فِي الْعَامِ الَّذِي أرَادُواْ فِيْهِ الْعُمْرَةَ فَنَزَلُواْ بالْحُدَيْبيَةِ قُرِيْبًا مِنْ مَكَّةَ) . وَالْحُدَيْبيَةُ اسْمٌ لِلْبئْرِ فَسُمِّيَ ذَلِكَ الْمَوْضِعُ باسْمِ الْبئْرِ ، فَصَدَّهُ الْمُشْرِكُونَ عَنِ الْبَيْتِ ، فَأَقَامَ بالْحُدَيْبيَةِ شَهْرًا ثُمَّ صَالَحَهُ الْمُشْرِكُونَ عَلَى أنْ يَرْجِعَ عَامَهُ ذَلِكَ عَلَى أنْ يُخْلُوا لَهُ مَكَّةَ مِنَ الْعَامِ الْقَابلِ ثَلاَثَةَ أيَّامٍ ، فَيَطُوفَ وَيَنْحَرَ الْهَدْيَ وَيَفْعَلَ مَا يَشَاءُ ؛ وَصَالَحُوهُ عَلَى أنْ لاَ يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ قِتَالٌ إلَى عِشْرِ سِنِينَ. فَرَجَعَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم إلَى الْمَدِيْنَةِ ، فَلَمَّا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبلُ تَجَهَّزَ لِعُمْرَةِ الْقَضَاءِ ؛ وَكَانُواْ يَخَافُونَ أنْ لاَ تَفِي قُرَيْشٌ بذَلِكَ ؛ وَكَانُواْ يَكْرَهُونَ قِتَالَهُمْ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ وَفِي الْحَرَمِ ، فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ.
ومعناها: وقاتِلوا في طاعةِ الله الذين يَبْدَأُونَكُمْ بالقتالِ ؛ { وَلاَ تَعْتَدُواْ } ؛ أي ولا تنقُضُوا العهدَ بالبداءة بقتالِهم قبلَ تقديمِ الدعوةِ ، { إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ } ؛ أي المتجاوزين عن الْحُدُودِ ؛ أي لا يرضَى عنهم عملَهم. فلما نزلت هذه الآيةُ كانَ صلى الله عليه وسلم يقاتلُ مَن قَاتَلَهُ ويكفُّ عمن كفَّ عنه ، حتى نزلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: { فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ } [التوبة: 5] فنُسخت هذه الآيةُ وأُمر بالقتالِ مع المشركين كافَّة.
وقال بعضهُم: هذه الآية مُحْكَمَةٌ أُمِرَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بالقتالِ ولَم يُنسَخْ شيءٌ من حُكمِ هذه الآية ؛ فعلى هذا القولِ معنى قوله: { وَلاَ تَعْتَدُواْ } أي لا تقتلُوا النساءَ والصبيان والشيخَ الكبير ولا مَن ألقى إليكم السَّلَمَ وكفَّ يدَهُ عن قتالِكم ؛ فإنْ فعلتم ذلك فقد اعْتَدَيْتُمْ ؛ وهو قولُ ابنِ عبَّاس ومجاهد. فمعنى الآية: { وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ } أي الذين هم مِن أهلِ القتال دون النساءِ والولدان الذي لا يقاتلون. فعلى هذا القولِ الآيةُ غير منسوخةٍ.
وقال يحيى بن يحيى: (كَتَبْتُ إلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِالْعَزِيْزِ أسْأَلُهُ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: { وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ } فَكَتَبَ إلَيَّ أنَّ ذَلِكَ فِي النِّسَاءِ وَالذُّرِّيَّةِ وَالرُّهْبَانِ وَمَنْ لَمْ يَنْتَصِبْ لِلْحَرْب مِنْهُمْ) .
وقال الحسنُ: (( وَلا تَعْتَدُوا) أيْ لاَ تَأْتُوا مَنْ نُهِيْتُمْ عَنْهُ). وقال بعضهم: الاعتداءُ ترك قتالهم. وقال بعضهم: نزلت هذه الآيةُ والقتال كان محظورًا قبل الهجرةِ كما قال تعالى: { وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ } [النحل: 125] ثم أمرَ اللهُ بالقتال بعد الهجرة لمن قاتلهم بهذه ؛ ثم نزلت آية أخرى في الإذن بالقتال عامة لِمن قاتَلَهم ولِمن لَم يُقاتِلْهم ، وهو قَوْلُهُ تَعَالَى: { أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ } [الحج: 39] .
وعن سُليمان بن بُريدَةَ عن أبيهِ قال:"كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إذا بَعَثَ عَلَى سَرِيَّةٍ أوْ جَيْشٍ أمِيْرًا أوْصَاهُ فِي نَفْسِهِ خَاصَّةً بتَقْوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَبمَنْ تَبعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِيْنَ خَيْرًا. وَقَالَ: [أُغْزُواْ باسْمِ اللهِ وَفِي سَبيْلِ اللهِ ، قَاتِلُواْ مَنْ كَفَرَ باللهِ ، أُغْزُواْ وَلاَ تَغْلُواْ وَلاَ تَغْدُرُواْ وَلاَ تُمَثِّلُواْ وَلاَ تَقْتُلُوا وَلِيْدًا] ".