قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: { هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن تَأْتِيهُمُ الْمَلائِكَةُ } ؛ أي ما يَنْظُرُ أهلُ مكةَ بعد نزولِ الآيات وقيام الْحُجَجِ عليهم إلا إتيانَ مَلَكِ الموتِ وأعوانهِ لِقَبْضِ أوارحهم ؛ أي لَمْ يَبْقَ إلاَّ هذا. قولهُ: { أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ } ؛ معناهُ: أو يَأْتِيَ أمرُ ربكَ بإهلاكهم والانتقامِ منهم ؛ إمَّا بعقابٍ عاجل أو بالقيامَةِ. وقولهُ: { أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ ءَايَاتِ رَبِّكَ } ؛ يعني طلوعَ الشَّمْسِ من مغربها.
قال الحسن: (أوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبكَ الْحَاجَّة مِنَ التَّوْبَةِ) ، قالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:"بَادِرُوا بالأَعْمَالِ سِتًّا: طُلُوعَ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبهَا ؛ وَدَابَّةَ الأَرْضِ ؛ وَخُرُوجَ الدَّجَّالِ ؛ وَالدُّخَانَ ؛ وَخُوَيْصَةَ أحَدِكُمْ - يَعْنِي مَوْتَهُ - ، وَأمْرَ الْعَامَّةِ - يَعْنِي الْقِيَامَةَ""."
وقال صلى الله عليه وسلم:"بَابُ التَّوْبَةِ مَفْتُوحٌ مِنْ قِبَلِ الْمَغْرِب مَسِيْرَةَ أرْبَعِيْنَ سَنَةٍ ، وَمَلَكٌ قَائِمٌ عَلَى ذلِكَ الْبَاب يَدْعُو النَّاسَ إلَى التَّوْبَةِ ، فَإذا أرَادَ اللهُ أنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبهَا ؛ طَلَعَتْ مِنْ ذلِكَ الْبَاب سَوْدَاءَ لاَ نُورَ لَهَا ؛ فَتَوَسَّطَتِ السَّمَاءَ ثُمَّ رَجَعَتْ ، فَيُغْلَقُ الْبَابُ وَتُرَدُّ التَّوْبَةُ ، ثُمَّ تَرْجِعُ إلَى شَرْقِهَا لِتَطْلُعَ بَعْدَ ذلِكَ مِائَةً وَعِشْرِيْنَ سَنَةً ، إلاَّ أنَّها سَوْدَاءُ تَمُرُّ مَرًّا".
وعن ابن عبَّاس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إذا غَرَبَتِ الشَّمْسُ ؛ رُفِعَ بهَا إلَى السَّمَاءِ السَّابعَةِ فِي سُرْعَةِ طَيَرَانِ الْمَلاَئِكَةِ ، وَتُحْبَسُ تَحْتَ الْعَرْشِ ، فَيُسْتَأْذنُ مِنْ أيْنَ تَطْلُعُ ؛ أمِنْ مَطْلَعِهَا أمْ مِنْ مَغْرِبهَا ، وَكَذا الْقَمَرُ ، فَلاَ يَزَالاَ كَذلِكَ حَتَّى يأْتِيَ اللهُ بالْوَقْتِ الَّذِي وَقَّتَهُ لِتَوْبَةِ عِبَادِهِ."
وَتَكْثُرُ الْمَعَاصِي فِي الأَرْضِ ، وَيَذْهَبُ الْمَعْرُوفُ فَلاَ يَأْمُرُ بهِ أحَدٌ ، وَيَكْثُرُ الْمُنْكَرُ فَلاَ يَنْهَى عَنْهُ أحَدٌ ، فَإذا فَعَلُوا ذلِكَ حُبسَتِ الشَّمْسُ تَحْتَ الْعَرْشِ ، فَإذا مَضَى مِقْدَارُ لَيْلَةٍ سَجَدَتْ ، وَاسْتَأْذنَتْ رَبَّهَا مِنْ أيْنَ تَطْلُعُ ، فَلَمْ يجِئُ لَهَا جَوَابٌ حَتَّى يُوَافِقَهَا الْقَمَرُ ، فَيَسْجُدُ مَعَهَا ؛ فَلاَ يَعْرِفُ مِقْدَارَ تِلْكَ اللَّيْلَةِ إلاَّ الْمُتَهَجِّدُونَ فِي الأَرْضِ ؛ وَهُمْ يَوْمَئِذٍ عِصَابَةً قَلِيْلَةً فِي هَوَانٍ مِنَ النَّاسِ.
فَيَنَامُ أحَدُهُمْ تِلْكَ اللَّيْلَةَ مِثْلَ مَا يَنَامُ قَبْلَهَا مِنَ اللَّيَالِي ، ثمَّ يَقُومُ فَيَتَهَجَّدُ ورْدَهُ ؛ فَلاَ يُصْبِحُ ؛ فَيُنْكِرُ ذلِكَ ، فَيَخْرُجُ وَيَنْظُرُ إلَى السَّمَاءِ ؛ فَإذا هِيَ باللَّيْلِ مَكَانَهَا وَالنُّجُومُ مُسْتَدِيْرَةٌ ، فَيُنْكِرُ ذلِكَ وَيَظُنُّ فِيْهِ الظُّنُونَ ، فَيَقُولُ: خْفَّتْ قِرَاءَتِي ؛ أوْ قَصُرَتْ صَلاَتِي ؛ أمْ قُمْتُ قَبْلَ حِيْنٍ؟!
ثُمَّ يَقُومُ فَيَعُودُ إلَى مُصَلاَّهُ ، فَيُصَلِّي نَحْوَ صَلاَتِهِ فِي اللَّيْلَةِ الثَّانِيَةِ ، ثُمَّ يَنْظُرُ ؛ فَلاَ يَرَى الصُّبْحَ ، فَيَخْرُجُ فَإذا هُوَ باللَّيْلِ كَمَا هُوَ ، فَيُخَالِطُهُ الْخَوْفُ ، ثُمَّ يَعُودُ وَجِلًا خَائِفًا إلَى مُصَلاَّهُ ، فَيُصَلِّي مِثْلَ ورْدِهِ كُلَّ لَيْلَةٍ ، ثُمَّ يَنْظُرُ فَلاَ يَرَى الصُّبْحَ ؛ فَيَشْتَدُّ بهِ الْخَوْفُ.
فَيَجْتَمِعُ الْمُتَهَجِّدُونَ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ تِلْكَ اللَّيَالِي فِي مَسَاجِدِهِمْ ، وَيَجْأَرُونَ إلَى اللهِ تَعَالَى بالْبُكَاءِ والتَّضَرُّعِ. فَيُرْسِلُ اللهُ تَعَالَى جِبْرِيْلَ عليه السلام إلَى الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ فَيَقُولُ لَهُمَا: إنَّ اللهَ يأْمُرُكُمَا أنْ تَرْجِعَا إلَى مَغَاربكُمَا فَتَطْلُعَا مِنْهُ ، فإنَّهُ لاَ ضَوْءَ لَكُمَا عِنْدَنَا وَلاَ نُورَ ، فَيَبْكِيَانِ عِنْدَ ذلِكَ وَجَلًا مِنَ اللهِ بُكَاءً يَسْمَعُهُ أهْلُ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَأهْلُ سُرَادُقَاتِ الْعَرْشِ ، ثُمَّ يَبْكِي مَنْ فِيْهِمَا مِنَ الَْخَلاَئِقَ مِنْ خَوْفِ الْمَوْتِ وَالْقِيَامَةِ.
فَبَيْنَمَا الْمُتَهَجِّدُونَ يَبْكُونَ وَيَتَضَرَّعُونَ وَالْغَافِلُونَ فِي غَفَلاَتِهِمْ ؛ إذا بالشَّمْسِ وَالْقَمَرِ قَدْ طَلَعَتَا مِنَ الْمَغْرِب أسْوَدَانِ لاَ ضَوْءَ لِلشَّمْسِ وَلاَ نُورَ لِلْقَمَرِ كَصِفَتِهِمَا فِي كُسُوفِهِمَا ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ } [القيامة: 9] ، فَيَرْتَفِعَانِ كَذلِكَ مِثْلَ الْبَعِيْرَيْنِ يُنَازعُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا اسْتِبَاقًا ، فَيَتََصَارَخُ أهْلُ الدُّنْيَا حِيْنَئِذٍ وَيَبْكُونَ.
فَأَمَّا الصَّالِحُونَ فَيَنْفَعُهُمْ بُكَاؤُهُمْ ، وَيُكْتَبُ لَهُمْ عِبَادَةً ، وَأمَّا الْفَاسِقُونَ فَلاَ يَنْفَعُهُمْ بُكَاؤُهُمْ يَوْمَئِذٍ ، وَيُكْتَبُ ذلِكَ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً وَنَدَامَةً. فَإذَا بَلَغَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ سُرَّةَ السَّمَاءِ وَمُنْتَصَفَهَا ، جَاءَ جِبْرِيْلُ فَأَخَذ بقُرُونِهِمَا فَرَدَّهُمَا إلَى الْمَغْرِب ؛ فَيَغْرُبَانِ فِي بَاب التَّوْبَةِ"."
فَقَالَ عُمَرُ: بأَبي وَأُمِّي أنْتَ يَا رَسُولَ اللهِ ؛ مَا بَابُ التَّوْبَةِ ؟ قَالَ:"يَا عُمَرُ ؛ خَلَقَ اللهُ بَابًا لِلتَّوْبَةِ خَلْفَ الْمَغْرِب ؛ لَهُ مِصْرَاعَانِ مِنْ ذهَبٍ ؛ مَا بَيْنَ المِصْرَاعِ إلَى الْمِصْرَاعِ أرْبَعُونَ سَنَةً لِلرَّاكِب ، فَذلِكَ الْبَابُ مَفْتُوحٌ مُنْذُ خَلَقَ اللهُ خَلْقَهُ إلَى صَبيْحَةِ تِلْكَ اللَّيْلَةِ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ مِنْ مَغْرِبهِمَا ، فَإذا غَرَبَا فِي ذلِكَ الْبَابِ رُدَّ الْمِصْرَاعَانِ وَالْتَأَمَ مَا بَيْنَهُمَا ، فَيَصِيْرُ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا صَدْعٌ. فَإذا أُغْلِقَ بَابُ التَّوْبَةِ لَمْ يُقْبَلْ لِلْعَبْدِ تَوْبَةٌ بَعْدَ ذلِكَ ، وَلَمْ يَنْفَعْهُ حَسَنَةٌ يَعْمَلُهَا إلاَّ مَنْ كَانَ قَبْلَ ذلِكَ مُحْسِنًا ، فَإنَّهُ يَجْرِي عَلَيْهِ مَا كَانَ يَجْرِي قَبْلَ ذلِكَ الْيَوْمِ".