فهرس الكتاب

الصفحة 240 من 4495

قوله عَزَّ وَجَلَّ: { وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي } ؛ تقديرُ الآية: ألَمْ ترَ إذ قالَ إبراهيمُ ؛ ويقال: وَاذْكُرْ إذ قالَ إبراهيمُ. قال ابنُ عباس: (( سَبَبُ هَذِهِ الْقِصَّةِ: أنَّ إبْرَاهِيْمَ عليه السلام مَرَّ بجِيْفَةٍ عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ ، تَنْقَضُّ عَلَيْهَا طُيُورُ السَّمَاءِ فَتَأْخُذُ مِنْهَا بأَفْوَاهِهَا فَتأْكُلُهُ ، وَيَسْقُطُ مِنْ أفْوَاهِهَا فِي الْبَحْرِ فَيَأْكُلُ مِنْهُ الْحِيْتَانُ ، وَتَجِيْءُ السِّبَاعُ فَتَأْخُذُ مِنْهُ عُضْوًا. فَوَقَفَ مُتَعَجِّبًا!! وَقَالَ: { رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن } أيْ أوَلَمْ تُصَدِّقْ بأَنِّي أُحيْي الْمَوْتَى ؟ { قَالَ بَلَى } عَرَفْتُ ، وَلَكِنْ أحْبَبْتُ أنْ أعْلَمَ كَيْفَ تُحْيي هَذِهِ النَّفْسَ الَّتِي أرَى بَعْضَهَا فِي بُطُونِ السِّبَاعِ ؛ وبَعْضَهَا فِي بُطُونِ الْحِيْتَانِ ؛ وَبَعْضَهَا فِي حَوَاصِلِ الطَّيْرِ. فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي } ) . وَقيل: معنى { وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي } أي لِيَسْكُنَ قلبي أنكَ أعطيتني ما سألتُكَ. وقيل: إنك اتَّخَذْتَنِي خليلًا.

{ قَالَ } ؛ اللهُ تعالى: { فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا } ؛ وذلك أنَّ إبراهيم عليه السلام لما مرَّ بالجيفةِ وقد توزَّعَتها الطيورُ والسباع والحيتانُ ، تعجَّبَ وقال: يا رب قد علمتُ بأنكَ تجمعُها من بطونِ السباع وحواصلِ الطير وبطونِ الحيتان ، فأرنِي كيفَ تُحْييْهَا لأُعَاينَ ذلك فأزدادُ يقينًا ؟ قال اللهُ تعالى لهُ: { أوَلَمْ تُؤْمِنْ. قَالَ بَلَى } يا رب آمنتُ وليس الخبرُ كالمعاينةِ والمشاهدة.

وقال ابنُ زيد: (مَرَّ إبْرََاهِيْمُ عليه السلام بحُوتٍ مَيْتٍ نِصْفُهُ فِي الْبَحْرِ وَنِصْفُهُ فِي الْبَرِّ ، فَمَا كَانَ فِي الْبَحْرِ فَدَوَابُّ الْبَحْرِ تَأْكُلُهُ ، وَمَا كَانَ فِي الْبَرِّ فَدَوَابُّ الْبَرِّ تَأْكُلُهُ ، فَقَالَ إبْلِيْسُ لَعْنَةُ اللهِ عَلَيْهِ: يَا إبْرَاهِيْمُ ، مَتَى يَجْمَعُ اللهُ هَذَا مِنْ بُطُونِ هَؤُلاَءِ؟! فَقَالَ: { رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي الْمَوْتَى * قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي } بذَهَاب وَسْوَسَةِ الشَّيْطَانِ وَيَصِيْرُ الشَّيْطَانُ خَاسِئًا صَاغِرًا) .

وروي أنَّ نَمرودَ قال لإبراهيم: أنتَ تزعمُ أن ربكَ يحيي الموتى وتدعونِي إلى عبادتهِ ، فقُل له يُحيي الموتَى إنْ كَان قادرًا ، وإلاَّ أقتلُكَ. فقالَ إبراهيمُ: { رَب أرنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى * قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ } بأني أُحييهم ، فـ { قَالَ بَلَى وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي } بقوةِ حُجَّتي ونَجاتي من القتلِ ، فإنَّ عدوَّ اللهِ توعدَّني بالقتلِ إن لَمْ تُحيي لهُ ميتًا.

وقال ابنُ عباس وابن جبيرٍ والسديُّ: (لَمَّا اتَّخَذَ اللهُ إبْرَاهِيْمَ خَلِيْلًا ، سَأَلَ مَلَكُ الْمَوْتِ رَبَّهُ أنْ يَأْذَنَ لَهُ فَيُبَشِّرَ إبْرَاهِيْمَ بذَلِكَ فَأَذِنَ لَهُ ، فَأَتَى إلَى إبْرَاهِيْمَ وَقَالَ: يَا إبْرَاهِيْمُ ، جِئْتُ أُبَشِّرُكَ بَأَنَّ اللهَ اتَّخَذَكَ خَلِيْلًا ، فَحَمَدَ اللهَ تَعَالَى ؛ وَقَالَ: مَا عَلاَمَةُ ذَلِكَ ؟ قَالَ: أنْ يُجِيْبَ اللهُ دُعَاءَكَ وَيُحْيي الْمَوْتَى بسُؤَالِكَ. ثُمَّ انْطَلَقَ مَلَكُ الْمَوْتِ ، فَقَالَ إبْرَاهِيْمُ: { رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي الْمَوْتَى * قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي } أيْ لِيُعْلَمَ أنَّكَ تُجِيْبُنِي إذَا دَعَوْتُكَ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت