فهرس الكتاب

الصفحة 883 من 4495

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: { يَابَنِي ءَادَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَآ أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِّنَ الْجَنَّةِ } ؛ أي لا يَضُرَّنَّكُمْ الشيطانُ بالدعاءِ إلى الغَيِّ والمعصيةِ كما اسْتَزَلَّ أبَوَيْكُمْ آدمَ وحوَّاءَ من الجنَّةِ { يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا } ، فَتَسَبَّبَ في نَزْعِ لباسهما لِحملهما على المعصيةِ ، وقَوْلُهُ تَعَالَى: { لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَآ } ؛ أي لِيُظْهِرَ لَهما عوارتِهما أنَّ ذلك يُغِيْظُهُمَا ، وإنَّما أضافَ الإخراجَ من الجنَّةِ إلى الشيطانِ ؛ لأن ذلكَ كان بوَسْوَسَتِهِ وإغوائِه.

واختلفُوا في لباسِهما في الجنَّةِ ؛ فقال بعضُهم: كان مِن لِبَاسِ الْجَنَّةِ ، عن ابنِ عبَّاس: (أنَّ لِبَاسَهُمَا كَانَ مِنْ الظُّفُرِ ؛ أيْ كَانَ يُشْبهُ الظُّفْرَ ، فَإنَّهُ كَانَ مَخْلُوقًا عَلَيْهِمَا خِلْقَةَ الظُّفُرِ) . وقال وهبٌ: (كَانَ لِبَاسُهُمَا مِنَ النُّور) . ومعنى قولهِ: { لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ } أي كونُوا على حَذرٍ من ذلكَ ، فإنه عَدُوٌّ لكم. وهذا اللفظُ أبلغُ من أنْ تقولَ: لا تَقْبَلُوا فتنة الشيطانِ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: { إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ } ؛ أي إنَّ الشيطانَ وَنَسْلَهُ يَرَوْنَكُمْ وأنتم لا ترونَهم ، وإنَّما قالَ هكذا ؛ لأنَّا إذا لَمْ نَرَاهُمْ لم نعرِفْ قصدَهم بالكيدِ والإغْوَاء حتى نكونَ على حَذرٍ في نَجدَةِ نفوسِنا من وَسَاوِسِهِ.

وفي هذا بيانٌ أنَّ أحَدًا من البَشَرِ لاَ يَرَى الْجِنَّ ، بخلافِ ما يقولُ بعضُهم: إنَّ منَّا مَن يراهُم. وإنَّما لا يراهُمُ البشرُ ؛ لأنَّهم أجْسَامٌ رقيقةٌ تحتاجُ في رؤيتِكَ إلى أفضلِ شُعاعٍ ، واللهُ تعالى لم يُعْطِنَا من الشُّعَاعِ قَدْرَ ما يُمكننا أن نراهم ، وأمَّا هم فإنَّهم يَرَوننَا ؛ لأنَّهم يرى بعضُهم بعضًا مع أنَّهم أجسامٌ رقيقةٌ ، فلأَنْ يرونَا ونحنُ أجسامٌ كثيفة أوْلَى.

وذهب بعضُ الناسِ إلى أنه يجوزُ أن يراهم البشرُ ، بأنْ يكشِفُوا أجسامَهم ، وقال: وهم مُمَكَّنُونَ من ذلك. وَقِيْلَ: إنَّ هذا لا يصلحُ ؛ لأنه لو أمكنَهم أن يَكْشِِفُوا أجسامَ أنفسِهم أمكنَهم أن يكشِفُوا أجسامَ غيرِهم. وقال مالكُ بن دينارٍ: (إنَّ عَدُوًّا يَرَاكَ وَلاَ تَرَاهُ لَشدِيْدُ الْمُؤْنَةِ إلاَّ مَنْ عَصَمَ اللهُ) .

وَقِيْلَ: هو زيَّن لآدم فسكن له ، ويجرِي من ابن آدم مَجْرَى الدَّمِ ، وأنتَ لا تُقَاومُهُ إلا بعون اللهِ ، والشيطانُ يراكَ وأنتَ لا تراهُ ، وهو لا يَنْساكَ وأنتَ تنساهُ. وفيه يقولُ بعضهم: وَلاَ أرَاهُ حَيْثُمَا يَرَانِي وَعِنْدَمَا أنْسَاهُ لاَ يَنْسَانِيفَيُبْدِي إنْ لَمْ يَكُنْ سَبَانِي كَمَا سَبَى آدَمَ مِنْ جِنَانِوقال ذُو النون: (إنْ هُوَ يَرَاكَ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَاهُ ، فَإنَّ اللهَ يَرَاهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَرَى اللهَ ، فَاسْتَعِنْ باللهِ عَلَيْهِ ، فَإِنَّ كَيْدَ الشَّيْطََانِ كَانَ ضَعِيْفًا) .

قَوْلُهُ تَعَالَى: { إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَآءَ لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ } ؛ أي جعلناهم قُرَنَاءَ للذينَ لا يؤمنونَ بالله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت