قَوْلُهُ تَعَالَى: { ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ تُوبُواْ إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا } ؛ قال ابنُ عبَّاس: (التَّوْبَةُ النَّصُوحُ: هِيَ النَّدَمُ بالْقَلْب ، وَالاسْتِغْفَارُ باللِّسَانِ ، وَالإقْلاَعُ بالْبَدَنِ ، وَالإضْمَارُ عَلَى أنْ لا يَعُودَ) ."وعن معاذِ بن جبلٍ قالَ: يَا رَسُولَ اللهِ مَا التَّوْبَةُ النَّصُوحُ ؟ قَالَ:"أنْ يَتُوبَ التَّائِبُ ثُمَّ لاَ يَرْجِعُ فِي ذلِكَ ، كَمَا لاَ يَعُودُ اللَّبَنُ فِي الضَّرْعِ"".
قَالَ ابنُ مسعودٍ: (التَّوْبَةُ النَّصُوحُ أنْ تُكَفِّرَ كُلَّ سَيِّئَةٍ) ، وقال أبو ذرٍّ: (النَّصُوحُ: الصَّادِقَةُ) أي يتُوبوا توبةً صادقةً ، يقالُ: نَصحتُه أي صدَّقتُه. وَقِيْلَ: النَّصُوحُ المستقيمةُ الُمُتْقَنَةُ التي لا يلحقُها النقصُ والإبطالُ. وقال الفُضيل: (التَّوْبَةُ النَّصُوحُ: أنْ يَكُونَ الذنْبُ نُصْبَ عَيْنَيْهِ ، وَلاَ يَزَالُ كَأَنَّهُ يَنْظُرُ إلَيْهِ) ، وقال أبُو بكرٍ الورَّاقُ: (هُوَ أنْ تَضِيقَ الأَرْضُ عَلَيْكَ بَما رَحُبَتْ ، وَتَضِيقَ عَلَيْكَ نَفْسُكَ كَتَوْبَةِ الثَّلاَثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا) . وقال الدقَّاقُ: (هِيَ رَدُّ الْمَظَالِمِ ، وَاسْتِحْلاَلُ الْخُصُومِ ، وَإدْمَانُ الطَّاعَاتِ) .
وقال ذو النُّون: (عَلاَمَتُهَا ثَلاَثَةُ أشْيَاءٍ: قِلَّةُ الْكَلاَمِ ، وَقِلَّةُ الطَّعَامِ ، وَقِلَّةُ الْمَنَامِ) . وقال بعضُهم: هي أن يكون لصاحبها دمعٌ مسفوح وقلبٌ من المعاصِي جموحٌ ، فإذا كان كذلك فيه توبةٌ نصوحٌ.
وقال فتحُ الْمَوْصِليُّ: (عَلاَمَتُهَا ثَلاَثَةٌ: مُخَالَفَةُ الْهَوَى ، وَكَثْرَةُ الْبُكَاءِ ، وَمُكَابَدَةُ الْجُوعِ وَالظَّمَأ) . وقال شقيقُ الْبَلْخِيُّ: (هِيَ أنْ يُكْثِرَ صَاحِبُهَا لِنَفْسِهِ الْمَلاَمَةَ ، وَلاَ يُقْلِعُ مِنَ النَّدَامَةِ) . وقال الجنيدُ: (هِيَ أنْ يَنْسَى مَا سِوَى اللهِ ، وَلاَ يَذْكُرُ إلاَّ اللهَ) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: { عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ } ؛ هذا وعدٌ من اللهِ لأنَّ { عَسَى } من الله واجبَةٌ ، والصَّلواتُ الخمسُ كفَّاراتٌ لما بينهنَّ ما اجتُنِبَتِ الكبائرُ. قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ يَوْمَ لاَ يُخْزِى اللَّهُ النَّبِيَّ } ؛ أي يُكرِمُ اللهُ تعالى المؤمنين بهذه الكرامةِ في يومٍ لا يسوءُ اللهُ النبيَّ ولا يُخجِلُهُ وَلا يسوء { وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ } ؛ والمعنى: لا يُدخِلُهم اللهُ النارَ.
وقوله: { نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ } ؛ ليدلهم في الجنَّة ، { وَبِأَيْمَانِهِمْ } ؛ يعني نورَ كتابهم الذي يُعطونَهُ بها ، { يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا } ؛ أي يقولون ذلك بعدَ ما ذهبَ نورُ المنافقِين ، والمعنى: أتْمِمْ لنا نُورَنا على الصِّراطِ إلى أن ندخلَ الجنة ، { وَاغْفِرْ لَنَآ } ؛ ما سَلَفَ من ذُنوبنا ، { إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } ؛ من إتْمَامِ النور والمغفرة ، فيجيبُ الله دعاءَهم ويفعلُ ذلك لَهم ، فيكون الصِّراطُ على المؤمنين كما بين صنعاءَ والمدينة ، يمشِي عليه بعضُهم مثلَ البرقِ ، وبعضُهم مثلَ الريحِ ، وبعضهم كعَدْو الفرسِ ، وبعضهم يمشِي وبعضهم يزحفُ ، ويكون على الكافرين كحدِّ السيف مذهبه.