فهرس الكتاب

الصفحة 25 من 4495

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: { أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَآءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ } ؛ هذا مثلٌ آخر ضَرَبَهُ اللهُ تعالى لَهم أيضًا ؛ معطوفٌ على المثلِ الأول ؛ أي مَثَلُهُمْ كمثلِ الذي استوقدَ نارًا ومَثَلُهُمْ أيضًا كَصَيِّبٍ. قال أهلُ المعانِي: (أو) بمعنى الواو ؛ يريدُ (وَكَصَيِّبٍ) كقولهِ: { أَوْ يَزِيدُونَ } [الصافات: 147] وأنشدَ الفرَّاءُ: وَقَدْ عَلِمَتْ سَلْمَى بأَنِّي فَاجِرٌ لِنَفْسِي تُقَاهَا أوْ عَلَيْهَا فُجُورُهَاأيْ: وعليها فجُورها.

ومعنى الآيةِ: مَثَلُ المنافقين مع النبيِّ صلى الله عليه وسلم والقرآنِ { كَصَيِّبٍ } أي كمَطرٍ نزلَ { مِّنَ السَّمَآءِ } ليلًا على قومٍ في مَفَازَةٍ { فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ } كذلكَ القُرْآنُ نَزَلَ من اللهِ ، { فِيهِ ظُلُمَاتٌ } أي بيانُ الفِتَنِ وابتلاءُ المؤمنينَ بالشَّدائدِ في الدُّنيا ، { وَرَعْدٌ } أي زجرٌ وتخويفٌ ، { وَبَرْقٌ } أي تِبْيَانٌ وتَبْصِرَةٌ. فجَعل أصحابُ المطر أصابعَهم في آذانِهم من الصَّواعقِ مخافةَ الهلاكِ ، كذلك المنافقونَ َكانوا يجعلون أصابعهم في آذانِهم من بيانِ القُرْآنِ ووعدهِ ووعيدهِ وما فيه من الدُّعاءِ إلى الجِهَادِ مخافةَ أن يُقْتَلُوا في الجهادِ. ويقال: مخافةَ أن تَميل قلوبُهم إلى ما في القُرْآنِ.

وعنِ الحسن أنه قالَ: (في الآيَةِ تَشْبيْهُ الإسْلاَمِ بالصَّيِّب ؛ لأَنَّ الصَّيِّبَ يُحْيي الأَرْضَ ، وَالإسْلاَمُ يُحْيي الْكُفَّارَ. قَالَ اللهُ تَعَالَى: { أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ } [الأنعام: 122] . وقَوْلُهُ تَعَالَى: { كَصَيِّبٍ } أي كأصحاب الصَّيِّب ؛ لاستحالةِ تشبيهِ الحيوان بالصيِّب تَمثيل العاقلِ بغير العاقلِ.

وقَوْلُهُ تَعَالَى: { مِّنَ الصَّوَاعِقِ } جمعُ صَاعِقَةٍ: وهي صَوْتٌ وبَرْقٌ فيه قطعةٌ من النار لا تأتِي على شيءٍ إلا أحرقتُهُ. وقَوْلُهُ تَعَالَى: { مِّنَ السَّمَآءِ } كل مَا عَلاكَ فهو سَماءٌ ؛ والسماءُ تكونُ واحدًا وجمعًا ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: { ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَآءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ } [البقرة: 29] . وَقِيْلَ: هو جمعٌ وَاحِدُهُ: سَمَاوَةٌ ؛ والسَّمواتُ جمعُ الجمعِ ، مثل جَرَادَةٍ وَجَرَادٍ وَجَرَادَاتٍ. والسَّماءُ تذكَّر وتؤنَّث ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: { السَّمَآءُ مُنفَطِرٌ بِهِ } [المزمل: 18] و { إِذَا السَّمَآءُ انفَطَرَتْ } [الانفطار: 1] .

وقَوْلُهُ تَعَالَى: { فِيهِ ظُلُمَاتٌ } أي في الصيِّب ؛ وقيل في الليلِ: كنايةٌ عن غير مذكورٍ. وظلماتٌ: جمع ظُلْمَةٍ ؛ وضمُّه اللام على الاتباعِ لضمةِ الظاء. وقرأ الأعمشُ: (ظُلْمَاتٌ) بسكون اللام على أصلِ الكلام ؛ لأنَّها ساكنةٌ في التوحيدِ. وقرأ أشهبُ العقيلي: (ظُلَمَاتٌ) بفتحِ اللام ؛ لأنه لَمَّا أرادَ تحريكَ اللام حرَّكها إلى أخفِّ الحركات ؛ كقولِ الشاعرِ: فَلَمَّا رَأوْنَا بَادِيًا رُكْبَانُنَا عَلَى مَوْطِن لاَ تَخْلِطَ الْجَدَّ بالْهَزَلِقَوْلُهُ تَعَالَى: { وَرَعْدٌ } الرعدُ: هو الصوتٌ الذي يخرج من السحاب ، { وَبَرْقٌ } وهي النارُ التي تخرج منه. قال مجاهدُ: (الرَّعْدُ: مَلَكٌ يُسَبحُ بِحَمْدِهِ ؛ وَيُقَالُ لِذَلِكَ الْمَلَكِ: رَعْدٌ ، وَلِصَوْتِهِ أيْضًا رَعْدٌ) . وقال عِكْرِمَةٌ: (الرَّعْدُ: مَلَكٌ مُوَكَّلٌ بالسَّحَاب يَسُوقُهَا كَمَا يَسُوقُ الرَّاعِي الإبلَ) . وقال شَهْرُ بْنُ حَوْشَبَ: (هُوَ مَلَكٌ يَزْجُرُ السَّحَابَ كَمَا يَزْجُرُ الرَّاعِي الإبلَ) . والصواعقُ أيضًا الْمَهَالِكُ ؛ وهي جمع صَاعِقَةٍ ؛ والصاعقةُ والصَّامِعَةُ وَالْمَصْعَمَةُ: كالهلاكُ. ومنه قيل: صُعِقَ الإنسانُ إذا غشيَ عليه ؛ وصُعِقَ إذا ماتَ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: { يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِم مِّنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ } ؛ أي مخافةَ الموتِ. وهو نُصِبَ على المصدر. وقيل: بنَزعِ الخافضِ. وقرأ قتادةُ: (حَذِيْرَ الْمَوْتِ) . قَوْلُهُ تَعَالَى: { واللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ } ؛ أي عالِمٌ بهم ؛ يدلُّ عليه قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا } [الطلاق: 12] . وقيل: معناهُ: والله مهلِكُهم وجامِعُهم في النار ؛ دليلهُ { أَن يُحَاطَ بِكُمْ } [يوسف: 66] أي تُهلكوا جميعًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت